فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 2003

(والذين آمنوا أشد حبا لله) . .

(قل:إن كنم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) . . وغيرها كثير . .

وعجبا لقوم يمرون على هذا كله , ليقولوا:إن التصور الإسلامي تصور جاف عنيف , يصور العلاقة بين الله والإنسان علاقة قهر وقسر , وعذاب وعقاب , وجفوة وانقطاع . . .

لا كالتصور الذي يجعل المسيح ابن الله وأقنوم الإله , فيربط بين الله والناس , في هذا الازدواج !

إن نصاعة التصور الإسلامي في الفصل بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية , لا تجفف ذلك الندى الحبيب ,بين الله والعبيد , فهي علاقة الرحمة كما أنها علاقة العدل , وهي علاقة الود كما أنها علاقة التجريد , وهي علاقة الحب كما أنها علاقة التنزية . .

إنه التصور الكامل الشامل لكل حاجات الكينونة البشرية في علاقتها برب العالمين .

وهنا - في صفة العصبة المؤمنة المختارة لهذا الدين - يرد ذلك النص العجيب:

(يحبهم ويحبونه) ويطلق شحنته كلها في هذا الجو , الذي يحتاج إليه القلب المؤمن , وهو يضطلع بهذا العبء الشاق . شاعرا أنه الاختيار والتفضل والقربى من المنعم الجليل . .

ثم يمضي السياق يعرض بقية السمات: (أذلة على المؤمنين) . .

وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين . .

فالمؤمن ذلول للمؤمن . . غير عصي عليه ولا صعب . هين لين . . ميسر مستجيب .

سمح ودود . . وهذه هي الذلة للمؤمنين .

وما في الذلة للمؤمنين من مذلة ولا مهانة . إنما هي الأخوة , ترفع الحواجز , وتزيل التكلف وتخلط النفس بالنفس , فلا يبقى فيها ما يستعصي وما يحتجز دون الآخرين .

إن حساسية الفرد بذاته متحوصلة متحيزة هي التي تجعله شموسا عصيا شحيحا على أخيه . فأما حين يخلط نفسه بنفوس العصبة المؤمنة معه , فلن يجد فيها ما يمنعه وما يستعصي به . . وماذا يبقى له في نفسه دونهم , وقد اجتمعوا في الله إخوانا ; يحبهم ويحبونه , ويشيع هذا الحب العلوي بينهم ويتقاسمونه ?!

(أعزة على الكافرين) . . فيهم على الكافرين شماس وإباء واستعلاء . .

ولهذه الخصائص هنا موضع . . إنها ليست العزة للذات , ولا الاستعلاء للنفس . إنما هي العزة للعقيدة , والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين . إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير , وأن دورهم هو أن يطوعوا الآخرين للخير الذي معهم لا أن يطوعوا الآخرين لأنفسهم ولا أن يطوعوا أنفسهم للآخرين وما عند الآخرين !

ثم هي الثقة بغلبة دين الله على دين الهوى ; وبغلبة قوة الله على تلك القوى ; وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت