فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 2003

وَقَدْ يُحِبُّ المَرْءُ شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَهُ ، وَمِنْهُ القُعُودُ عَنِ الجِهَادِ ، فَقَدْ يَعْقُبُهُ استِيلاءُ الأَعْدَاءِ عَلَى البِلادِ وَالحُكْمِ ، وَاللهُ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُها العِبَادُ .

إن القتال في سبيل الله فريضة شاقة . ولكنها فريضة واجبة الأداء . واجبة الأداء لأن فيها خيرا كثيرا للفرد المسلم , وللجماعة المسلمة , وللبشرية كلها . وللحق والخير والصلاح .

والإسلام يحسب حساب الفطرة ; فلا ينكر مشقة هذه الفريضة , ولا يهون من أمرها . ولا ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطري بكراهيتها وثقلها . فالإسلام لا يماري في الفطرة , ولا يصادمها , ولا يحرم عليها المشاعر الفطرية التي ليس إلى إنكارها من سبيل . . ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر , ويسلط عليه نورا جديدا إنه يقرر أن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه المذاق ; ولكن وراءه حكمة تهون مشقته , وتسيغ مرارته , وتحقق به خيرا مخبوءا قد لا يراه النظر الإنساني القصير . .

عندئذ يفتح للنفس البشرية نافذة جديدة تطل منها على الأمر ; ويكشف لها عن زاوية أخرى غير التي تراه منها . نافذة تهب منها ريح رخية عندما تحيط الكروب بالنفس وتشق عليها الأمور . .

إنه من يدري فلعل وراء المكروه خيرا . ووراء المحبوب شرا . إن العليم بالغايات البعيدة , المطلع على العواقب المستورة , هو الذي يعلم وحده . حيث لا يعلم الناس شيئا من الحقيقة .

وعندما تنسم تلك النسمة الرخية على النفس البشرية تهون المشقة , وتتفتح منافذ الرجاء , ويستروح القلب في الهاجرة , ويجنح إلى الطاعة والأداء في يقين وفي رضاء .

هكذا يواجه الإسلام الفطرة , لا منكرا عليها ما يطوف من المشاعر الطبيعية , ولا مريدا لها على الأمر الصعب بمجرد التكليف . ولكن مربيا لها على الطاعة , ومفسحا لها في الرجاء . لتبذل الذي هو أدنى في سبيل الذي هو خير ; ولترتفع على ذاتها متطوعة لا مجبرة , ولتحس بالعطف الإلهي الذي يعرف مواضع ضعفها , ويعترف بمشقة ما كتب عليها , ويعذرها ويقدرها ; ويحدو لها بالتسامي والتطلع والرجاء .

وهكذا يربي الإسلام الفطرة , فلا تمل التكليف , ولا تجزع عند الصدمة الأولى , ولا تخور عند المشقة البادية , ولا تخجل وتتهاوى عند انكشاف ضعفها أمام الشدة . ولكن تثبت وهي تعلم أن الله يعذرها ويمدها بعونه ويقويها . وتصمم على المضي في وجه المحنة , فقد يكمن فيها الخير بعد الضر , واليسر بعد العسر , والراحة الكبرى بعد الضنى والعناء . ولا تتهالك على ما تحب وتلتذ . فقد تكون الحسرة كامنة وراء المتعة ! وقد يكون المكروه مختبئا خلف المحبوب . وقد يكون الهلاك متربصا وراء المطمع البراق .

إنه منهج في التربية عجيب . منهج عميق بسيط . منهج يعرف طريقه إلى مسارب النفس الإنسانية وحناياها ودروبها الكثيرة . بالحق وبالصدق . لا بالإيحاء الكاذب , والتمويه الخادع . . فهو حق أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت