المتخمرة والمتأسنة ؛ والحلول السريعة تفضي في كثير من الأحيان إلى اليأس والإحباط ، أو إلى الاندفاع والتهور ؛ مما يعقِّد المشكلة أكثر مما يحلها ! .
إن من المهم أن ندرك أن ثمة أوضاعًا كثيرة لا نستطيع أن نفعل حيالها الآن شيئًا ، لكن إذا قلنا: ماذا نستطيع أن نفعل تجاهها خلال عشرين عامًا ، فسوف نرى أننا نستطيع أن نفعل أشياء كثيرة جدًّا ، فكأن الصبر استخدام للوقت في الخلاص من أوضاع لا نستطيع الآن أن ننجح في الخلاص منها .
حقيقةُ ضرورة اقتران الصبر بالعمل والحركة للخلاص من الأوضاع الصعبة حقيقة قرآنية لامعة ، نطقت بها الكثير من الآيات القرآنية ، مثل قوله (سبحانه) : { ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [النحل: 110] ، وقوله (سبحانه) : { يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ البقرة: 153] ، وقوله (تعالى) : { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } [الإنسان: 24] .
إن احتمال المعاناة دون حركة للخلاص من مسبِّباتها قد يكون ضربًا من اليأس والاستسلام ، وقد يكون ضربًا من العجز أو قصر النظر أو ضيق الأفق ... وهذا ما لا يرضى الله (جل وعلا) لعباده المؤمنين منه شيئًا .
أما التقوى فتعني هنا بصورة أساسية: نوعًا من الحصانة الداخلية من التأثر بالظروف السيئة المحيطة ؛ إذ إن الهزائم العسكرية والظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية .. كل ذلك محدود الضرر ما لم يغير من المبادئ والأخلاق والنفوس والسلوك ، بل إنها تصلّب روح المقاومة ، وتُكسب الخبرة ، وتكشف عن الأجزاء الرخوة في البناء الداخلي ، وتحطِّم هيبة العدو في النفوس .
وقد مرّت أمم كثيرة بأقصى مما نمر به ، لكنها استطاعت عن طريق الانتفاضة النفسية والشعورية ، أن تتجاوز المحن ، وتنبعث من جديد ! .
4-إن المفهوم الأساسي للصبر والتقوى هنا هو: تهذيب الذات وتحسينها ، وتدعيمها ، والرقي بها ؛ وهذا التدعيم يأخذ أشكالًا كثيرة ، منها: المزيد من الالتزام الصارم ، ومقاومة الشهوات ، والتعاون ، والمفاتحة ، والمراجعة ، والتضحية ، والمواساة لبعضنا بعضًا ، والحفاظ على رأس المال الوطني ، والاقتصاد في الاستهلاك .. إنه يعني اكتساب عادات جديدة ، من نحو تكثيف القراءة الجيدة ، والنظر دائمًا إلى المستقبل بعقل مفتوح ، وتحسين العلاقات مع الآخرين ، والإكثار من المعروف والنوافل ، إلى جانب التخلص من أكبر قدر ممكن من العادات السيئة ، مثل عدم الدقة وخلف الوعد ، وتأجيل أعمال اليوم إلى أوقات أخرى ...
5-يركز الخطاب الإسلامي بصورة عامة على تدعيم الذاتي في كل الأحوال ، وقلما يتطرق إلى علاج الظروف العامة التي يعيش فيها المسلم ، ومن ثم: فإننا نجده يؤكد على الصلاح واستقامة السلوك والانتهاء عن المناهي ...