فرخه فشده . { فاستغلظ } الزرع وضخمت ساقه وامتلأت . { فاستوى على سوقه } لا معوجا ومحنيا .
وقال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (17) سورة البلد
وَقَوْله تَعَالَى"وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ"أَيْ كَانَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ صَالِحًا الْمُتَوَاصِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى النَّاس وَعَلَى الرَّحْمَة بِهِمْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الشَّرِيف"الرَّاحِمُونَ يَرْحَمهُمْ الرَّحْمَن اِرْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْض يَرْحَمكُمْ مَنْ فِي السَّمَاء"وَفِي الْحَدِيث الْآخَر"لَا يَرْحَم اللَّه مَنْ لَا يَرْحَم النَّاس"وَقَالَ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ اِبْن عَامِر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَرْوِيه قَالَ: مَنْ لَمْ يَرْحَم صَغِيرنَا وَيَعْرِف حَقّ كَبِيرنَا فَلَيْسَ مِنَّا .والصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة ، ولاقتحام العقبة بصفة خاصة . والتواصي به يقرر درجة وراء درجة الصبر ذاته . درجة تماسك الجماعة المؤمنة ، وتواصيها على معنى الصبر ، وتعاونها على تكاليف الإيمان . فهي أعضاء متجاوبة الحس . تشعر جميعًا شعورًا واحدًا بمشقة الجهاد لتحقيق الإيمان في الأرض وحمل تكاليفه ، فيوصي بعضها بعضًا بالصبر على العبء المشترك؛ ويثبت بعضها بعضًا فلا تتخاذل؛ ويقوي بعضها بعضًا فلا تنهزم . وهذا أمر غير الصبر الفردي . وإن يكن قائمًا على الصبر الفردي . وهو إيحاء بواجب المؤمن في الجماعة المؤمنة . وهو ألا يكون عنصر تخذيل بل عنصر تثبيت ، ولا يكون داعية هزيمة بل داعية اقتحام؛ ولا يكون مثار جزع بل مهبط طمأنينة .وكذلك التواصي بالمرحمة . فهو أمر زائد على المرحمة . إنه إشاعة الشعور بواجب التراحم في صفوف الجماعة عن طريق التواصي به ، والتحاض عليه ، واتخاذه واجبًا جماعيًا فرديًا في الوقت ذاته ، يتعارف عليه الجميع ، ويتعاون عليه الجميع .فمعنى الجماعة قائم في هذا التوجيه . وهو المعنى الذي يبرزه القرآن كما تبرزه أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهميته في تحقيق هذا الدين . فهو دين جماعة ، ومنهج أمة ، مع وضوح التبعة الفردية والحساب الفردي فيه وضوحًا كاملًا . .
وأولئك الذين يقتحمون العقبة كما وصفها القرآن وحددها { أولئك أصحاب الميمنة } . . وهم أصحاب اليمين كما جاء في مواضع أخرى . أو أنهم أصحاب اليمين والحظ والسعادة . . وكلا المعنيين متصل في المفهوم الإيماني .
هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان . وأن يقفوا أمامها طويلًا . ذلك أنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها .
لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلًا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلًا مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه . ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى ..
نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ . ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم ، في مكان واحد ، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة .