إن فرص النجاح قائمة حتمًا لمن أتوكل على الله حق التوكل وأحكم الأخذ بالأسباب..
6ـ كما أن القرآن لكريم يسلك سبيلًا آخر حكيمًا إلى النفوس المنكسرة يمسح عنها الأسى حين يلفت أنظارها دائمًا إلى عبرة الماضي المتكررة وهي أن السقوط يعقبه قيام ونصر لمن سار على الدرب يقول الله تبارك وتعالى: [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا] {آل عمران: 146}
وهذا منهج قرآني تكرر في غير هذا الموضع في مواجهة أزمات مرت بالمسلمين واقتربت بهم من دائرة الإحباط.. فتجد أن الله ينزل سورتين متواليتين في العام العاشر من البعثة في أواخر العهد المكي حين ضاق الحال تمامًا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة تكذيبًا وإيذاءً وصدودًا عن لحق فتنزل القرآن بسورة هود وما حوته من قصص لرسل سابقين وكيف صبروا وثبتوا حتى جاءهم نصر الله.. ثم يختتمها الله تعالى بقوله: [وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ] {هود: 120}
فتعرّف أخبار السابقين المشابهة يثبت القلب ويزيل اليأس ويلقي في روع المهموم أن ما أصابك من همّ لم يكن جديدًا اختصصت به دون غيرك بل سبقك إلى ساحة الامتحان آخرون مثلك فنجحوا وعبروا الأحزان..
كما تنزلت بعدها سورة (يوسف) .. وليس بخافٍ ما تحفل به من سلوى للمصابين وآمال لليائسين من خلال العديد من المآزق التي تعرض لها يوسف عليه السلام فصبر وثبت حتى نجاه الله منها جميعًا.. إلى جانب الأزمة العنيفة المتصاعدة التي مرت بيعقوب عليه السلام والمتجسد في فقد أحد بنية ثم تزيد بفقد التالي له في المنزلة بعد سنوات من الصبر..
إلا أنه ـ عليه السلام ـ لما وجّه بنية للبحث عن يوسف وأخيه ذيّل كلامه لهم قائلًا: [وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ] {يوسف: 87}
فتتجسد العبرة وينضح الدرس الذي من اجله يسوق الله هذا القصص فكما قال عز وجل في نهاية نفس السورة: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى] {يوسف: 111}
إنه منهج قرآني معجز نستطيع، نسميه (التربية بالتاريخ) ، فأحداث الزمان تتكرر، وسنن الله في الأرض ثابتة لا تتبدل والعاقل من اتعظ بتجارب من سبقوه..
7ـ ويلفت القرآن الكريم أنظار المسلمين تعقيبًا على أحد إلى أن الألم الذي أصابهم قد أصاب عدوّهم مثله، فلم يخرج عدوّهم من المعركة (وإن بدا منتصرًا) سالمًا من الجراح والآلام.. قال لهم الله تعالى: [إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ] {آل عمران: 140} فلم يذهب كفاحكم ضد عدوكم سدى، بل إن جهادكم قد آذاهم مثل ما أصابكم منهم من أذى (قرح مثله) وهي سنة ماضية معركة الحق مع الباطل فصّلها الله في موضع آخر من كتابه حين قال:[إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ