خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا] {آل عمران: 144}
فقه هذا المعنى رجلان من الأنصار ـ قبل أن تنزل الآية الكريمة ـ فهذا أنس بن النضر يصيح بأولئك الذين أحبطوا وقعدوا عن القتال لما سمعوا بمقتل النبي صلى الله عليه وسلم:"ما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه".. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل..
أما الآخر فكان ثابت بن الدحداح (أو الدحداحة) رضي الله عنه..
يصيح بأصحابه الأنصار يوم أحد بعد الانكسار والهزيمة:"إن كان محمد قد قتل فإن الله حتى لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فإن الله مظهركم وناصركم".. فربط السعي بالله الباقي.. ومن كانت هذه جهة سعيه فلن ييئس لأنها جهة مفتوحة على الدوام..
بهذا المنهج الإسلامي الفريد قاد النبي صلى الله عليه وسلم أصحبه إلى الخروج من أزماتهم كلها ومنها ازمة أحد.. فها هو صلى الله عليه وسلم بعد أحد بيوم واحد .. يتخذ القرار لمطاردة المشركين العائدين إلى مكة بما يشبه الانتصار.. وأصر صلى الله عليه وسلم ألا يأخذ معه في هذا الخروج إلا من اشترك في أحد، وقال:"لا يخرج معنا إلى من شهد القتال"..
برغم أن أولئك الذين شهدوا القتال بالأمس سيخرجون اليوم والجراح تملأ أجسادهم ونفوسهم جميعًا.. إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يداوي هذه النفوس الكسيرة بعمل من شأنه أن يرفع معنوياتهم ويرد إليهم هيبتهم ويضعف من حلاوة النصر لدى قريش إذا اختتم المشهد بمطاردتهم إلى مكة!!
وقد كان هذا القرار النبوي العظيم قرارًا تربويًا من الدرجة الأولى..
فقد تعمد صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الذين شاركوا في ( أحد ) فقد، مع ما بهم من جراح وآلام ونفسية سيئة مهزومة، وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه ولم ذلك ليقول لهم: إنه يثق بهم تمامًا، وبقدراتهم وكفاءاتهم.. بل وبإيمانهم وعقيدتهم..
وأن ما حدث في ( أحد ) لم يكن إلى حدثًا عابرًا يندر تكراره، وأن الأمل فيهم كبير، والنصر لهم حليف إن شاء الله.. لقد كان هذا التكليف من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة عودة لأجساد الصحابة وعزائمهم، فقاموا مسرعين ملبين برغم أزماتهم الجسدية والنفسية، وبرغم أحزانهم لفقد سبعين من إخوانهم وأحبابهم.. لقد قاموا جميعًا ولم يتخلف واحد.. لقد نجح الجميع في الاختبار وقامت الأمة من كبوتها في أقلا من أربع وعشرين ساعة!!
وخرج المسلمون للقتال في إصرار، وعسكروا في (حمراء الأسد) وهو مكان علي بعد ثمانية أميال من المدينة.. وكان جيش قريش معسكرًا على بعد ستة وثلاثين ميلًا.. فلما سمعوا بمقدم المسلمين ترددوا في قتالهم وأرسلوا إليهم من يخوّفهم من أعداد المشركين وقوّتهم.. ولكن هذا التهديد الآن صادف