فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 2003

عقيدة ومنهجًا وقيادة وتجمعًا . . عندئذ تتدخل القوة الكبرى لتضرب ضربتها الفاصلة ، ولتدمر على الطواغيت الذين يتهددون المؤمنين ، ولتمكن للمؤمنين في الأرض ، ولتحقق وعد الله لرسله بالنصر والتمكين . . ولا يكون هذا التدخل أبدًا والمسلمون متميعون في المجتمع الجاهلي ، عاملون من خلال أوضاعه وتشكيلاته ، غير منفصلين عنه ولا متميزين بتجمع حركي مستقل وقيادة إسلامية مستقلة .

{ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } . .نون العظمة ونون التوكيد . . كلتاهما ذات ظل وإيقاع في هذا الموقف الشديد . لنهلكن المتجبرين المهددين ، المشركين الظالمين لأنفسهم وللحق وللرسول وللناس بهذا التهديد . . { ولنسكننكم الأرض من بعدهم } . .لا محاباة ولا جزافًا ، إنما هي السنة الجارية العادلة: { ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } . .ذلك الإسكان والاستخلاف لمن خاف مقامي ، فلم يتطاول ولم يتعال ولم يستكبر ولم يتجبر . وخاف وعيد ، فحسب حسابه ، واتقى أسبابه ، فلم يفسد في الأرض ، ولم يظلم في الناس ، فهو من ثم يستحق الاستخلاف ، ويناله باستحقاق .

وهكذا تلتقي القوة الصغيرة الهزيلة قوة الطغاة الظالمين بالقوة الجبارة الطامة قوة الجبار المهيمن المتكبر فقد انتهت مهمة الرسل عند البلاغ المبين والمفاصلة التي تميز المؤمنين من المكذبين .

ووقف الطغاة المتجبرون بقوتهم الهزيلة الضئيلة في صف , ووقف الرسل الداعون المتواضعون ومعهم قوة الله - سبحانه - في صف . ودعا كلاهما بالنصر والفتح . .

وكانت العاقبة كما يجب أن تكون:

(واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد . من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد . يتجرعه ولا يكاد يسيغه , ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت , ومن ورائه عذاب غليظ) . .

والمشهد هنا عجيب . إنه مشهد الخيبة لكل جبار عنيد . مشهد الخيبة في هذه الأرض . ولكنه يقف هذا الموقف , ومن ورائه تخايل جهنم وصورته فيها , وهو يسقى من الصديد السائل من الجسوم . يسقاه بعنف فيتجرعه غصبا وكرها , ولا يكاد يسيغه , لقذارته ومرارته , والتقزز والتكره باديان نكاد نلمحها من خلال الكلمات !

ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان , ولكنه لا يموت , ليستكمل عذابه . ومن ورائه عذاب غليظ . .

إنه مشهد عجيب , يرسم الجبار الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروع الفظيع . وتشترك كلمة (غليظ) في تفظيع المشهد , تنسيقا له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين .

ودعوة الرسل إنما تقوم على توحيد الله وتنحية الأرباب الزائفة , وإخلاص الدين لله - أي إخلاص الدينونة لله وإفراده سبحانه بالربوبية , أي الحاكمية والسلطان - ومن ثم تصطدم اصطداما مباشرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت