أولًا: أن نظرية وقوع العراق في الفوضى، وتحوّله إلى مسرح للإرهاب إذا انسحبت القوات الأمريكية ليست صحيحة، وإن بدت في الظاهر منطقية، فالفوضى خرجت بسبب وجود الاحتلال الأمريكي، وإذا صحّ أن القوى التي ارتكبت أعمالًا إجرامية إرهابية في العراق مثل: زرع القنابل، أو إطلاق قذائف على الحشود في عاشوراء، أو ارتكبت جرائم الاغتيالات، أو ضربت ضدّ مراكز الشرطة، أو هيئة الأمم أو السفارات؛ هي من التنظيمات المشار إليها بالإرهابية؛ فحتى هذه جاء بها احتلال العراق، وسمح بها مناخ الإرهاب الذي مارسه الاحتلال ولم يزل، ابتداء بالقتل والاعتداءات، والنهب وتدمير الدولة، ومرورًا بالقصف العشوائي والقنص كما حدث في الفلوجة والنجف وكربلاء وبغداد والأنبار، وانتهاء (ليس بمعنى النهاية) بالجريمة المروعة التي ارتكبت بحق عرس في قرية القائم.
هذا ناهيك عن الفضائح الأمريكية في سجون ومراكز الاعتقال ومثالها سجن أبو غريب، وهذه بالصورة والصوت.
علمًا أن تضخيم دور تلك القوى إن وُجدت حقيقة (لأن الأعمال المشار إليها تدخل في دائرة الشبهات التي تصل إلى الموساد ) يكذبه ما تكشفت عنه معارك الفلوجة والنجف وكربلاء، مما يؤكد أن القوى التي وراء المقاومة الحقيقية ضد الاحتلال الأمريكي على اختلاف توجهاتها نابعة من الشعب العراقي، وملتزمة بخط سياسي لا علاقة له من قريب أو بعيد بما تعبّر عنه البيانات الصادرة عن تنظيم (القاعدة) ، أو عن الزرقاوي، أو أسماء أخرى مشابهة، كما أن الإشارة إلى المتطوعين العرب وأعدادهم أبطلت صدقيتها الفلوجة ناهيك عن الأنبار والموصل والنجف وكربلاء والناصرية والبصرة وبغداد، فالشعب وممثلوه وأبناؤه كانوا المقاومة (بكل أشكالها التي يجيزها الشرع) .
وباختصار نحن أمام فزاعة كاذبة، وتقدير موقف وهمي، هذا إذا أحسنّا الظن، علمًا أن ثمة خشية من أن يكون الدافع وراء التخويف من انسحاب قوات الاحتلال من العراق هو الخوف من الشعب العراقي، ومن تمكّنه من بناء عراق بعيد عن الهيمنة الأمريكية، وبقيادة قوى ممثلة حقًا لغالبية الشعب، وهذه هي الضمانة الفعلية لحماية العراق من أن يصبح مرتعًا للإرهاب والفوضى، وهذان (الإرهاب والفوضى) لا يترعرعان إلا في المياه العكرة التي نموذجها كل حوض تحركه العصا الأمريكية والصهيونية.
أما حجة الفوضى والإرهاب فكيف يمكن أن تطبق على قطاع غزة في حالة انسحاب القوات الإسرائيلية مهزومة منه وبلا قيد أو شرط، فمن جهة لم تعرف تجربة انتفاضة الأقصى والمقاومة في فلسطين ذلك النمط من التنظيمات التي تتبنّى عمليات من طراز 11 أيلول / سبتمبر 2001 في أمريكا، أو 11 آذار/مارس في إسبانيا، أو تفجيرات عاشوراء في العراق، أو الاغتيالات بسبب المواقف السياسية أو الانتقام (أو لأي سبب كان) ، فالقوى التي سترث الاحتلال في فلسطين معروفة،