العصرانيين الآن ليسوا على النمط السابق الذي يعلنون فيه قطيعتهم مع الإسلام؛ فقد صاروا الآن يقدمون رؤاهم العصرانية، ويلبسونها لباسًا إسلاميًا.
وهنا نقطة ثانية وهي تعليق على كلمة الدكتور عبد الله في قضية ولع المغلوب بالتقليد للغالب فهو حقيقة، ولكن انهزام النفس أمام الغالب له درجات وليس درجة واحدة، هو أحيانًا يكون انهزامًا مبدئيًا؛ بمعنى يمسخ فيه الإنسان ويذوب حضاريًا، وقد يكون الانهزام ليس مبدئيًا، فلا نقول هذا انهزام، وإن كان قد تأثر في الغالب ببعض مجرياتها العملية، وانفعل ببعض معطياتها الفكرية والثقافية... إلخ؛ فهي انهزمت عمليًا، لكنها ما انهزمت حقيقة؛ لأن الهزيمة النفسية في الحقيقة هزيمة قاصمة؛ لأن النفس هي آخر شيء عند الإنسان. وحتى لا يكون الكلام فكريًا بحتًا أضرب مثالًا: الاستعمار جاء إلى العالم الإسلامي، فاستعمر الغربيون بلاد المسلمين، وكانت مكيدتهم، خاصة في الجانب الثقافي أكثر من غيره؛ والغربيون استعمروا أيضًا أمريكا اللاتينية كما هو معروف ورحل المستعمرون من البلاد الإسلامية، ورحلوا من أمريكا اللاتينية؛ فما الذي حدث؟ الذي حدث هو اختلاف واضح بين الجهتين: أمريكا اللاتينية مُسخت نهائيًا؛ فلا أديانها التي كانت بقيت بها، ولا تقاليدها التي كانت بقيت لها، ولا لغاتها أيضًا التي كانت بقيت؛ وهكذا؛ فهناك هزيمة نفسية ساحقة؛ بمعنى أن الشخصية الحضارية التي كانت هناك ذابت أمام حضارة الغازي وصارت الآن تابعة لها. لكن بالنسبة للأمة الإسلامية فلا.
نعم! انفعلوا وتأثروا، لكن بقيت لديهم الخميرة الداخلية، وبقي لديهم أن ما يحملون من هذا الكتاب ـ وهو القرآن ـ يمثل الأعلى، ومهما ضعف التزام الإنسان في عمله إلا أنه يشعر أن هذا هو الحق، ومن ثم أي فكرة وأي نظرية تخالفه فإنها باطلة. تلقائيًا يعرف هذا الشيء، قد ينجر أحيانًا نتيجة شهوة، أو مؤثرات إغرائية، قد ينجر وراء هذا الشيء الجديد، لكن يبقى في قرارة نفسه الأساس الديني؛ فالحقيقة أن الهزيمة النفسية ليست صورة واحدة، وإنما تأخذ أشكالًا مختلفة. هناك نقطة أخيرة هي ـ وقد أشار إليها الدكتور عبد الله ـ قضية أن الصحوة مفهومها واسع، صحيح أن مفهومها ليس مفهومًا مصطلحيًا؛ بمعنى: أن له تعريفًا جامعًا مانعًا، لكن لا أعتقد أن من أدخلهم الدكتور عبد الله في الصحوة، أنهم من الصحوة، ومن سماهم وهم المنهزمون نفسيًا أو العصرانيون ونحوهم؛ فهؤلاء ليسوا من الصحوة، ولا يعتبرون هم أنفسهم من الصحوة، حتى وإن كتبوا في الإسلاميات وإن فسروا الإسلام؛ فلا أعتقد أنهم يُعَدُّون من الصحوة؛ فلا محمد أركون، ولا شحرور، والقمني ولا سعيد عشماوي.... ولا نحوهم من الفئة التي كانت دراستهم تتجه للإسلام وتفسير القرآن، وتحاول أن تقدم صورة بديلة أو مقابلة للصورة التي تقدمها الصحوة، لكنها ليست للصحوة؛ فهؤلاء هم خارج سور الصحوة الإسلامية.
* د. عبد الله الصبيح: يعتمد على هؤلاء بعض أبناء الصحوة يقرؤون لهم، ويتأثرون بفكرهم.