وما تمر به أمتنا اليوم من الضربات المتتابعة والصفعات الموجعة، ما هي إلا إرهاصات مبشرة لنهضة الأمة وصحوتها من غفلتها، وعودتها مرة أخرى إلى دينها ومصدر عزها ومجدها. فإن الظلام كلما احلولك وادلهمّ فإن وراء الأفق نورًا، وفي حضن الكون شمس ساطعة، وكلما اشتد غلس الليل اقترب ميلاد النهار، وشدة ظلمة الليل دليل على قرب انبلاج الفجر.
ماجد بن عبد الرحمن الفريان
الخطبة الأولى:
أما بعد: اتقو الله حق التقوى.
معاشر المسلمين، لقد كانت أمتكم هذه قبل ألف وأربعمائة سنة في مطالع خطواتها لقيادة البشرية فرباها الله بالابتلاء بالشدة في معركة أحد بعد أن ابتلاها بالرخاء في معركة بدر.
وابتلاها بالهزيمة المريرة في معركة أحد بعد أن ابتلاها بالنصر العجيب في معركة بدر.
لقد أصاب المسلمين القرحُ في معركة أحد وأصابهم القتل والهزيمة.
أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير، قتل منهم سبعون صحابيًا وكسرت رباعية الرسول وشج وجهه وأرهقه المشركون وأثخن أصحابه بالجراح وقتل عمه حمزة بن عبد المطلب، وفر من فر من المسلمين، وأصيب النبي بغم عظيم أسفًا على فرار بعض أصحابه، وأصاب المسلمين غمٌ ملأ نفوسهم على ما كان منهم وعلى تركهم رسولهم الحبيب يصيبه ما أصابه، وهو ثابت دونهم، وهم عنه فارون.
وسمع النبي لأهل المدينة نحيبًا وبكاء على قتلاهم، فقال: (( ولكن حمزة لا بواكي له ) )وحزن النبي على أصحابه، وتمنى أن يكون استشهد معهم وقال: (( أما والله لوددت أني غودرت مع أصحابي نحص الجبل أي في سفحه ) )رواه أحمد بسند حسن.
وكانت صورة المقاتلين الشجعان تمر بمخيلته كثيرًا فيثني عليهم، ولما أعطى علي سيفه لفاطمة - رضي الله عنها - قائلًا: (هاك السيف فإنها قد شفتني) قال رسول الله: (( لئن كنت أجدت الضرب بسيفك فلقد أجاد سحل بن حنيف وأبو دجانة وثابت بن عاصم الأقلح، والحارث بن الصمة ) )أخرجه الحاكم.
بل لقد بقي النبي يتذكر قتلى أحد ويحن إليهم طيلة عمره، فعن عقبة بن عامر قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: (( إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى