كما هو واضحٌ جدًا الآن في العراق؛ حيث استفاد الأمريكيون كثيرًا من الملف الإنجليزي القديم للإيقاع من جديد بهذا البلد المسلم.
وتاريخ الإنجليز مع الدول العربية والإسلامية - عامة - في هذا العصر مليئ بالخبث والحقد والمؤامرات المتنوعة في أماكن شتى من بلاد الإسلام . فمامن مصيبة تحل بهم إلا وتجد من ورائها كيد الإنجليز وتدبيرهم ، والشواهد على هذا كثيرة لاأظنها تخفى على متابع . حتى وصفهم شاعر العراق الرصافي زمن احتلالهم لبلاده بقوله في ديوانه ( 3/240-243) :
دع اللوم واسمع ما أقول فإنني *** قتلتُ طباع"التيمسيين"بالبحث
كأنهم والناس عُث وصوفة *** وهل يستقيم الصوف في عثة العُث
فكم حرثوا في أرض مستعمراتهم *** مظالم سودًا كن من أسوأ الحرث
وكم أيقظوا والناس في الليل نُوّم *** بها فتنًا كالدجن يهمي على الوعث
وهم يأكلون الزبد من منتجاتها *** ويُلقون للأهلين منهن للفرث
يقولون إنا عاملون لسعدكم *** ولم يعملوا غير الكوارث والكرث
إذا مارأيت القوم في فخ مكرهم *** رققت لهم تبكي على القوم أو ترثي
فلا ترجُ في الدنيا وفاء لعهدهم *** فلا بد في الأيام للعهد من نكث
لذا فقد أحببت أن ألقي الضوء -باختصار- على خطوات ذاك الاحتلال البغيض وما قاله المؤرخون عنه، وما يستفيده المسلمون والدول الإسلامية منه - لا سيما بلاد التوحيد - من عبر ومواعظ؛ كي يغلقوا الفرجات التي لا زال ينفذ منها شياطين الإنس.
مبتدئًا ذلك بموجز تسلسلي لما حدث، ثم بذكر أقوال المؤرخين، ثم أذكر العِبَر التي يُمكن الاستفادة منها .
سائلًا الله أن ينفع بما كتبت، وأن يهيئ له آذانًا صاغية، وعقولًا واعية، والله الموفق.
موجز تاريخي للأحداث:
-كانت مصر كغيرها من بلاد العالم الإسلامي تحكمها الدولة العثمانية . وكانت تُحكم بالشريعة الإسلامية ، وترتكز في أمورها على الإسلام بوجود الأزهر ، وهيئة كبار العلماء ، مع قصور وانحراف ، قلما يسلم منه أحد .
-قام الفرنسيون بقيادة نابليون بونابرت بحملتهم على مصر عام 1798م ، بعد أن مهدوا لذلك بإرسال الجواسيس الذين يدرسون وضع البلاد ومدى قابليته للاحتلال .
ولكنهم لم يفلحوا في البقاء فيها سوى 3 سنوات نظرًا لاتحاد أهل البلاد ضدهم، ووقوفهم صفًا واحدًا تجاه حملتهم -حكامًا ومحكومين- ؛ رغم تطمينات نابليون الكثيرة لهم بأنه لا يريد الإسلام بسوء !