فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 2003

تؤدى؛ ويجملها النص هذا الإجمال . .فأما الحكم بالعدل بين « الناس » فالنص يطلقه هكذا عدلًا شاملًا « بين الناس » جميعًا . لا عدلًا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب . ولا عدلًا مع أهل الكتاب ، دون سائر الناس . . وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه « إنسانًا » . فهذه الصفة - صفة الناس - هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني . وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعًا: مؤمنين وكفارًا . أصدقاء وأعداء . سودًا وبيضًا . عربًا وعجمًا . والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل - متى حكمت في أمرهم - هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط - في هذه الصورة - إلا على يد الإسلام ، وإلا في حكم المسلمين ، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية . . والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة؛ فلم تذق له طعمًا قط ، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعًا . لأنهم « ناس » ! لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه « الناس » !

وذلك هو أساس الحكم في الإسلام؛ كما أن الأمانة - بكل مدلولاتها - هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي .والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها؛ والحكم بين الناس بالعدل؛ هو التذكير بأنه من وعظ الله - سبحانه - وتوجيهه . ونعم ما يعظ الله به ويوجه: { إن الله نعما يعظكم به } . .ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه . فالأصل في تركيب الجملة: إنه نعم ما يعظكم الله به .. ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة ، فيجعله « اسم إن » ويجعل نعم ما « نعما » ومتعلقاتها ، في مكان « خبر إن » بعد حذف الخبر . . ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله - سبحانه - وهذا الذي يعظهم به . .

ثم إنها لم تكن « عظة » إنما كانت « أمرًا » . . ولكن التعبير يسميه عظة . لأن العظة أبلغ إلى القلب ، وأسرع إلى الوجدان ، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء!

ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية؛ يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه: { إن الله كان سميعًا بصيرًا } والتناسق بين المأمور به من التكاليف؛ وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس؛ وبين كون الله سبحانه « سميعًا بصيرًا » مناسبة واضحة ولطيفة معًا . . فالله يسمع ويبصر ، قضايا العدل وقضايا الأمانة . والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير ، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر ، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر . وأخيرًا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور.وبعد فالأمانة والعدل . . ما مقياسهما؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما؟ في كل مجال في الحياة ، وفي كل نشاط للحياة؟

أنترك مدلول الأمانة والعدل؛ ووسائل تطبيقها وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم؟ وإلى ما تحكم به عقولهم - أو أهواؤهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت