والجهاد لا يتم على وجهه الحق إلا بالعلم المؤهل المؤصل المفصل بالقرآن الكريم والسنة النبوية. فالعلم ضرورة فوق ضرورة المأكل والمشرب والملبس والدواء؛ إذ به قوام الدين والدنيا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولا غرو فإن الدعوة إلى الله إذا كانت (أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، ولا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه السعي) 11 ،ولقد كان من أعظم أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر: الجهل، وقلة العلماء العاملين، وسوء الخطط في مراحل الدراسة المختلفة في البلاد الإسلامية، وضعف الهمم والعزائم في الجد والبحث والتحصيل، والتخصصات الجزئية التي أضعفت العلوم الشرعية، والانهزام النفسي أمام بعض العلوم المادية، والنظر إلى التخصصات الشرعية نظرة دونية.
هذه الأسباب وغيرها جزء من واقع الأمة ـ في الجانب العلمي ولا شك أن بُعْد الهوّة بين الأمة وماضيها أذهل دعاتها الغيورين عن كثير من مصالحهم، وأفقد بعضهم شيئًا من التوازن سواء في تربيتهم لأنفسهم، أو في برامجهم التربوية المطروحة التي يسعون لتحقيقها؛ فلربما كانت الحركة الدؤوب على حساب بعض العلم، فإذا وضع هذا في الحسبان عرفنا ما يجب الفئة التي تضلع لإحياء الأمة والعمل للتمكين للدين تجاه العلم، وأنه لا بد من منح الهدف العلمي أولوية تليق به، بل يجب أن تصاغ الأهداف الأخرى على ضوئه؛ لأن التعليم والتربية صنوان لا ينفكان: {هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} 12
إن العاملين للتمكين لدين الله في الأرض اليوم يجب أن تصاغ خططهم ومناهجهم في كل الجوانب الدعوية والتربوية والفكرية صياغة كاملة شاملة على أساس علمي متين؛ لأن التغيير الذين يرمون إليه عبء ثقيل وأمانة عظمى لا تتأتى إلا ببناء العقول وإصلاح الفكر؛ وهو أمر غاية في الخطورة والصعوبة، لا يحصل بالأحلام والأمنيات، ولا بالعواطف والانفعالات، ولا بالارتجال والاحتمالات.
إن قاعدة هذا التغيير والبناء والإصلاح متينة، ترسم أهدافًا عنوانها: الشرعية والوضوح والمرونة والملاءمة، وتنهج طريقًا واضحة علائمه، بيّنة منائره.. إنه منهج تعظيم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة، وفهمها بفهم سلف الأمة ـ الذين اختارهم الله لإقامة دينه وحمل رسالته ـ، ثم التسليم والانقياد لها خِلْوًا من المعارضات المرفوضة التي تتكئ إلى القياسات العقلية الفاسدة، والأذواق الرديئة، والمنامات الفارغة.. التي ما ناب الأمة منها إلا التفرق والشقاق والتيه والتأخر.
بهذا المنهج السلفي يجب أن تدرس وتفهم أصول الدين ومهماته من مسائل الاعتقاد والسلوك، ثم فروعه وأحكام الحلال والحرام، وبه تُدرك سبيل المجرمين، ويُفهم الواقع، وتُصنع الحياة.