قال: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون ، قال: حدثنا مالك ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « ما رئي إبليس يومًا هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة ، وذلك ما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب ، إلا ما رأى يوم بدر! » قالوا: يا رسول الله ، وما رأى يوم بدر؟ قال: « أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة » .وفي هذا الأثر عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون ، وهو ضعيف الحديث ، والخبر مرسل .فأما سائر الآثار فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - من طريق علي بن أبي طلحة وطريق ابن جريج . وعن عروة بن الزبير من طريق ابن إسحاق . وعن قتادة من طريق سعيد بن جبير . وعن الحسن وعن محمد بن كعب . وهذه أمثلة منها من رواية ابن جرير الطبري:
* حدثني المثنى ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، قال: حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه راية ، في صورة رجل من بني مدلج ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم .
فقال الشيطان للمشركين: { لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } . . فلما اصطف الناس أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين ، فولوا مدبرين . وأقبل جبير إلى إبليس ، فلما رآه ، وكانت يده في يد رجل من المشركين ، انتزع إبليس يده فولى مدبرًا هو وشيعته ، فقال الرجل: يا سراقة ، تزعم أنك لنا جار؟ قال: { إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } وذلك حين رأى الملائكة .
*حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان . عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر - يعني من الحرب - فكاد ذلك أن يثنيهم . فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، وكان من أشراف كنانة ، فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه . فخرجوا سراعًا .
* حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } إلى قوله: { شديد العقاب } قال: ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة فزعم عدو الله أنه لا يد له بالملائكة ، وقال: { إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله } . . وكذب والله عدو الله ، ما به مخافة الله ، ولكن علم أن لا قوة له ولا منعة له ، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له ، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم ، وتبرأ منهم عند ذلك .
ونحن - على منهجنا في هذه الظلال - لا نتعرض لهذه الأمور الغيبية بتفصيل لم يرد به نص قرآني أو حديث نبوي صحيح متواتر . فهي من أمور الاعتقاد التي لا يلتزم فيها إلا بنص هذه درجته . ولكننا في الوقت ذاته لا نقف موقف الإنكار والرفض . .