فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 2003

من الأنظمة الاجتماعية الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد , فكيف يا ترى ستقولون غدا عن الإسلام ? لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس ?!

إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله . . إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه ; فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين ; ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه ; ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته . .

إن الله غني عن العالمين . ومن لم يستجب لدينه عبودية له , وانسلاخا من العبودية لسواه , فلا حاجة لهذا الدين به , كما أنه لا حاجة لله - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة .

ثم إنه إذا كان لهذا الدين أصالته من ناحية مقوماته وخصائصه , التي يريد الله أن تسود البشرية . فإن له كذلك أصالته في منهجه في العمل , وفي أسلوبه في خطاب الفطرة البشرية . . إن الذي نزل هذا الدين بمقوماته وخصائصه , وبمنهجه الحركي وأسلوبه , هو - سبحانه - الذي خلق الإنسان , ويعلم ما توسوس به نفسه . .

وفي هذه الموجة من السورة نموذج من مخاطبته للفطرة الإنسانية . .

نموذج من نماذج متنوعة شتى . . فهو يربط الفطرة البشرية بالوجود الكوني , ويدع الإيقاعات الكونية تواجه الفطرة البشرية , ويثير انتباه الكينونة البشرية لتلقي هذه الإيقاعات . .

وهو يعلم أنها تستجيب لها متى بلغتها بعمقها وقوتها: (إنما يستجيب الذين يسمعون) . .

والنموذج الذي يواجهنا في هذه الموجة هو:

(وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه ! قل:إن الله قادر على أن ينزل آية . ولكن أكثرهم لا يعلمون) . .

وفي هذه الآية يحكي قول الذين يكذبون ويعارضون ويطلبون خارقة يراها جيلهم وتنتهي . . ثم يلمس قلوبهم بما يكمن وراء هذا الاقتراح لو أجيب !

إنه الأخذ والتدمير !

والله قادر على أن ينزل الآية . .

ولكن رحمته هي التي اقتضت ألا ينزلها , وحكمته هي التي اقتضت ألا يستجيب لهم فيها . .

وفجأة ينقلهم من هذا الركن الضيق في التصور والتفكير , إلى الكون الواسع . إلى الآيات الكبرى من حولهم . الآيات التي تتضاءل دونها تلك الآية التي يطلبونها . الآيات الباقية في صلب الكون للأجيال كلها من قبلهم ومن بعدهم تراها:

(وما من دابة في الأرض , ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم . ما فرطنا في الكتاب من شيء . ثم إلى ربهم يحشرون) . .

وهي حقيقة هائلة . .

هي حقيقة تستطيع ملاحظتهم وحدها حينذاك - حيث لم يكن لهم علم منظم - أن تشهد بها . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت