فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 2003

، فَقَالَ لَهُمُ الأَنْبِيَاءُ إِنَّنَا لاَ نَخَافُ تَهْدِيدَكُمْ ، بَلْ نَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ ، وَنَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ، وَكَيْفَ لاَ نَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ ، وَقَدْ هَدَانَا لأَقْوَمِ الطُّرُقِ وَأَوْضَحِهَا وَأَبْيَنِهَا؟ وَسَنَصْبِرُ عَلَى مَا أَلْحَقْتُمُوهُ بِنَا مِنَ الأَذَى بِأَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ ، وَمَنْ تَوَكّلَ عَلَى اللهِ كَفَاهُ مَا أَهَمَّهُ وَأَغَمَّهُ ..

وكلها لمحات من ذلك الجمال الباهر لا يملك التعبير البشري إلا أن يشير إليها كما يشار إلى النجم البعيد ، لا تبلغ الإشارة مداه ، ولكنها فقط تلفت العين إلى سناه . . .

.ومن هنا ندرك لماذا كانت مواجهة الجاهلية واحدة لدعوة الرسل الكرام! . . إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاجتياح؛ ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية العباد!

وإذ كان هذا هو شعور الجاهلية بخطر الدعوة الإسلامية عليها ، فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت ، لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام! . . إن الجاهلية لم تخدع نفسها في حقيقة المعركة؛ وكذلك لم يخدع الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أنفسهم ولا المؤمنين بهم في حقيقة المعركة . . { وقال الذين كفروا لرسلهم: لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا } . .فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم ، أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص . إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم ، ويندمجوا في تجمعهم ، ويذوبوا في هذا التجمع . أو أن يطردوهم بعيدًا وينفوهم من أرضهم . .ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي ، ولا أن يذوبوا فيه ، ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص . . هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي . . ولم يقولوا كما يقول ناس ممن لا يدركون حقيقة الإسلام . . ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات: حسنًا! فلنندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم!!!

إن تميز المسلم بعقيدته في المجتمع الجاهلي ، لا بد ان يتبعه حتمًا تميزه بتجمعه الإسلامي وقيادته وولائه . . وليس في ذلك اختيار . . إنما هي حتمية من حتميات التركيب العضوي للمجتمعات . . هذا التركيب الذي يجعل التجمع الجاهلي حساسًا بالنسبة لدعوة الإسلام القائمة على قاعدة عبودية الناس لله وحده؛ وتنحية الأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسطان . كما يجعل كل عضو مسلم يتميع في الجاهلية خادمًا للتجمع الجاهلي لا خادمًا لإسلامه كما يظن الأغرار!

ثم تبقى الحقيقة القدرية التي ينبغي ألا يغفل عنها الدعاة إلى الله في جميع الأحوال . وهي أن تحقيق وعد الله لأوليائه بالنصر والتمكين؛ والفصل بينهم وبين قومهم بالحق ، لا يقع ولا يكون ، إلا بعد تميز أصحاب الدعوة وتحيزهم؛ وإلا بعد مفاصلتهم لقومهم على الحق الذي معهم . . فذلك الفصل من الله لا يقع وأصحاب الدعوة متميعون في المجتمع الجاهلي ، ذائبون في أوضاعه عاملون في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت