فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 2003

لَمَّا ذَكَر اللهُ تَعَالى أَنَّ المُنَافِقينَ نَقَضٌوا العَهْدَ ، وَصَفَ المُؤمنينَ بأَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى المُحَافَظَةِ عَلَى العَهْدِ وَالمِيثَاق ، وَأَنَّ مِنْهُمْ رِجَالًا أَوْفُوا بِمَا عَاهَدُوا الله عَلَيهِ مِنَ الصَّبْرِ في الشِّدَّةِ وَالبَأْسَاءِ ، فَاسْتُشْهِدَ بَعْضُهُمْ في بَدْرٍ ، وَبَعْضُهُمْ اسْتُشْهِدَ فِي أُحُدٍ ، وَبَعْضُهُمْ لَقِيَ وَجْهَ رَبِّهِ فِي غَيرِ هذِينِ المَوْقِفَينِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَضَى عَلَى الوَفَاءِ للهِ بِالعَهْدِ ، وَمَا غَيَّرُوا وَمَا بَدَّلُوا .

( رُوِيَ أَنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنسِ بْنِ النَّصْرِ الذِي قُتِلَ يَوْمَ أَحُدٍِ ، وَكَانَ غَابَ عَنْ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ ، فَقَالَ: لَئِنْ أَرَاني الله تَعَالَى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ، فِيمَا بَعدُ ، لَيَرَينَّ اللهُ تَعَالى مَا أصْنَعُ ) . ( وَقِيلَ إِنَّها نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَحَمْزَةُ بَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَبَتُوا وَقَاتَلُوا حَتى يُسْتَشْهَدُوا ) .

وَاللهُ تَعَالَى يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالخَوْفِ وَالزَّلْزَلَةِ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَيُظْهِرَ أَمْرَ كُلٍّ مِنْهُما جَلِيًّا وَاضِحًا ، فَيَجْزِي أَهْلَ الصِّدْقِ بِصِدْقِهِمْ بِما عَاهَدُوا الله عَلَيهِ ، وَيُعَذِّبَ المَنَافِقِينَ النَّاقِضِينَ لِلْعَهْدِ ، المُخَالِفِينَ لأَوِامِرِ رَبِّهِمْ ، إِذا اسْتَمَرُّوا عَلى نِفَاقِهِمْ ، حَتَّى يَلْقَوْهُ ، أَمَّا إِذا تَابُوا وَعِمِلُوا صَالِحًا فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ سَيِّئَاتٍ وَآثامٍ ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ ، وَرَحْمَتُهُ لِعِبَادِهِ هِيَ الغَالِبَةُ لِغَضَبِهِ .

وَرَدَّ اللهُ المُشْرِكينَ ، مِنْ قَرَيْشٍ وَغَطْفَانَ وَأسَدٍ وسُلَيْمٍ ، بِغَيْظِهِمْ لِقْوتِ مَا أَمَلُوهُ مِنَ الظَّفَرِ بِمُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ ، وَالفَوْزِ بالغَنائِمِ ، وَلَمْ يَحْتَجِ المُؤْمِنُونَ إِلى مُنَازَلَتِهِمْ لإِجْبَارِهِمْ عَلَى الانْسِحَابِ ، وَإِنَّما سَلَّطَ الله عَلَيهِمْ رِيحًا ، وَأْرْسَلَ عَلَيهِمْ مَلائِكَتَهُ يُلْقُونَ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ ، فَانْسَحَبُوا مَخْذُولِينَ مَفْلُولِينَ فَكَفَى اللهُ المُؤْمِنينَ شَرَّ القِتالِ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ ، وَهزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ . وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ، لاَ يُغْلَبُ وَلاَ يُضَامُ . لَمَّا قَدِمَتِ الأَحْزَابُ إٍِلى المَدِينةِ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَبَيْنَ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَهْدٌ وَمُوَادَعَةٌ ، فَجَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ - زَعيمُ يَهُودِ بَني النَّضِيرِ - وَكَانَ مَعَ قَوْمِهِ مَعَ الأحْزاب ، - إٍِلى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْتَحِثُّهُمْ عَلَى نَقْضِ عَهْدِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمُشَارَكَةِ الأَحْزَابِ فِي مُحَارَبَةِ المُسْلِميِنَ ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمينَ . وَلَمَّا هَزَمَ الله الأَحْزَابَ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَسيرَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُعاقِبَهُمْ عَلَى غَدْرِهِمْ ، وَنَقْضِهِمْ العَهْدَ . وَبَعْدَ حَرْبٍ دَامَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا اضْطَرُّوا إِلى النُّزُولِ على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ ، فَاسْتَدْعَاهُ رَسُولُ اللهِ - وَكَانَ فِي المَدِينةِ يَشْتَكِي مِنْ جُرْحٍ أَصَابَهُ - فَحَكَمْ سَعْدٌ بِأَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالأَمْوالُ .وَلِذَلكَ قَالَ اللهُ تَعَالى: إِنَّهُ قَذَفَ فِي قُلُوبِ بَنِي قُرَيْظَةَ الرُّعْبَ ( الذِينَ ظَاهَرُوا الأحْزَابَ مِنْ أَهلِ الكِتَابِ ) ، وَأْنْزَلَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ ( صَيَاصِيهِمْ ) عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ ، فَقَتَلَ المُسْلِمُونَ فَرِيقًا ، وَأَسَرُوا فَرِيقًا .وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤمِنينَ أَرْضَ بَني قُرَيَْةَ ، وَنَخِيلَهُمْ ، وَمَزارِعَهُمْ ، وَأَمْوَالَهُمْ ، وَمَوَاشِيَهُمْ ، وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤْمنينَ الأَرَاضيَ التي فَتَحُوها فِيما بَعْدُ ، مِنْ أَراضي اليَهودِ والمُشْرِكِينَ وَغَيرِهم ، في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت