عقد! . . ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتلميح لا بالتصريح . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الله أكبر . أبشروا يا معشر المسلمين
. ( تثبيتًا للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف ) .
ويقول ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء؛ واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم . حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين . . الخ .
فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب .فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره . ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرًا؛ وكفى الله المؤمنين القتال . . رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة منصورًا ، ووضع الناس السلاح ، « فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل من وعثاء المرابطة ، في بيت أم سلمة رضي الله عنها إذ تبدى له جبريل عليه السلام فقال: » أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: « نعم » . قال: « ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم » . ثم قال: « إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة » وكانت على أميال من المدينة . وذلك بعد صلاة الظهر . وقال - صلى الله عليه وسلم -: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة « فسار الناس في الطريق ، فأدركتهم الصلاة في الطريق ، فصلى بعضهم في الطريق ، وقالوا: لم يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تعجيل المسير . وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة . فلم يعنف واحدًا من الفريقين .
وتبعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ( صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى . . ) رضي الله عنه وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم نازلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة . فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية . واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبدالله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فظن هؤلاء أن سعدًا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك . ولم يعلموا أن سعدًا رضي الله عنه كان قد أصابه سهم في أكحله ( وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع ) أيام الخندق؛ فكواه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أكحله ، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب؛ وقال سعد رضي الله عنه فيما دعا به: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقنا لها؛ وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها؛ ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة .
فاستجاب الله تعالى دعاءه . وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم ، طلبًا من تلقاء أنفسهم
فعند ذلك استدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة ليحكم فيهم . فلما أقبل وهو راكب على حمار قد وطأوا له عليه جعل الأوس يلوذون به ، يقولون: يا سعد إنهم مواليك ، فأحسن عليهم . ويرققونه عليهم ويعطفونه . وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال رضي الله عنه: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم . فعرفوا أنه غير مستبقيهم!