فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 2003

وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا المقطع , توجيهًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن كانوا معه من المؤمنين في مكة في موقف الشدة والمعاناة . ولكل من يأتي بعدهم من أمته , ويواجهون مثل الموقف الذي كانوا فيه:

(فاصبر . إن وعد الله حق . واستغفر لذنبك , وسبح بحمد ربك , بالعشي والإبكار) . .

الإيقاع الأخير . . الدعوة إلى الصبر . . الصبر على التكذيب . والصبر على الأذى . والصبر على نفخة الباطل وانتشائه بالغلبة والسلطان في فترة من الزمان . والصبر على طباع الناس وأخلاقهم وتصرفاتهم من هنا ومن هناك . والصبر على النفس وميولها وقلقها وتطلعها ورغبتها في النصر القريب وما يتعلق به من رغائب وآمال . والصبر على أشياء كثيرة في الطريق قد تجيء من جانب الأصدقاء قبل أن تجيء من جانب الأعداء !

(فاصبر . إن وعد الله حق) . . مهما يطل الأمد , ومهما تتعقد الأمور , ومهما تتقلب الأسباب . إنه وعد من يملك التحقيق , ومن وعد لأنه أراد .

وفي الطريق , خذ زاد الطريق: (واستغفر لذنبك , وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) . .

هذا هو الزاد , في طريق الصبر الطويل الشاق . استغفار للذنب , وتسبيح بحمد الرب . والاستغفار المصحوب بالتسبيح وشيك أن يجاب , وهو في ذاته تربية للنفس وإعداد . وتطهير للقلب وزكاة . وهذه هي صورة النصر التي تتم في القلب , فتعقبها الصورة الأخرى في واقع الحياة .

واختيار العشي والإبكار . إما كناية عن الوقت كله - فهذان طرفاه - وإما لأنهما آنان يصفو فيهما القلب , ويتسع المجال للتدبر والسياحة مع ذكر الله .

هذا هو المنهج الذي اختاره الله لتوفير عدة الطريق إلى النصر وتهيئة الزاد . ولا بد لكل معركة من عدة ومن زاد . .

وقال تعالى: { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) } [غافر/77]

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِالصَّبْرِ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَ مِنْ قَوْمِهِ ، فَإِنَّ اللهَ سَيُنْجِزُ وَعْدَهُ ، وَسَيُظْهِرُهُ بِأَعْدَائِهِ ، وَسَيُنْزِلُ العِقَابَ بِالمُكَذِّبِينَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ . ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: إِمَّ أَنْ يُرِيَهُ فِي حَيَاتِهِ بَعْضَ الذِي يَعِدُهُمْ مِنَ العَذَاب والنَّقْمَةِ ، كَالقَتْلِ والأَسْرِ فِي بَدْرٍ ، فَذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَتَوَفَّاهُ اللهُ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ بِهِم عُقُوبَتَهُ وَعَذَابَهُ فَإِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ فِي الآخِرَةِ عِقَابًا شَدِيدًا حِينَمَا يُرْجَعُونَ إِلَيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ .

وهنا نقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق . إن هذا الرسول الذي يلاقي ما يلاقي من الأذى والتكذيب والكبر والكنود ، يقال له ما مفهومه: أد واجبك وقف عنده . فأما النتائج فليست من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت