فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 2003

{ السائحون } . . وتختلف الروايات فيهم . فمنها ما يقول: إنهم المهاجرون . ومنها ما يقول: إنهم المجاهدون . ومنها ما يقول: إنهم المتنقلون في طلب العلم . ومنهم من يقول: إنهم الصائمون . . ونحن نميل إلى اعتبارهم المتفكرين في خلق الله وسننه ، ممن قيل في أمثالهم في موضع آخر: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض: ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك! . . . } فهذه الصفة أليق هنا بالجو بعد التوبة والعبادة والحمد . فمع التوبة والعبادة والحمد يكون التدبر في ملكوت الله على هذا النحو الذي ينتهي بالإنابة إلى الله ، وإدراك حكمته في خلقه ، وإدراك الحق الذي يقوم عليه الخلق . لا للاكتفاء بهذا الإدراك وإنفاق العمر في مجرد التأمل والاعتبار . ولكن لبناء الحياة وعمرانها بعد ذلك على أساس هذا الإدراك . . { الراكعون الساجدون } . . الذين يقيمون الصلاة ويقومون بالصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم؛ وكأن الركوع والسجود طابع مميز بين الناس لهم .

{ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر } . . وحين يقوم المجتمع المسلم الذي تحكمه شريعة الله ، فيدين لله وحده ولا يدين لسواه ، يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل هذا المجتمع؛ ويتناول ما يقع فيه من أخطاء وانحرافات عن منهج الله وشرعه . . ولكن حين لا يكون في الأرض مجتمع مسلم؛ وذلك حين لا يكون في الأرض مجتمع الحاكمية فيه لله وحده ، وشريعة الله وحدها هي الحاكمية فيه ، فإن الأمر بالمعروف يجب أن يتجه أولًا إلى الأمر بالمعروف الأكبر ، وهو تقرير ألوهية الله وحده سبحانه وتحقيق قيام المجتمع المسلم . والنهي عن المنكر يجب أن يتجه أولًا إلى النهي عن المنكر الأكبر . وهو حكم الطاغوت وتعبيد الناس لغير الله عن طريق حكمهم بغير شريعة الله . . والذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - هاجروا وجاهدوا ابتداء لإقامة الدولة المسلمة الحاكمة بشريعة الله ، وإقامة المجتمع المسلم المحكوم بهذه الشريعة . فلما تم لهم ذلك كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في الفروع المتعلقة بالطاعات والمعاصي . ولم ينفقوا قط جهدهم ، قبل قيام الدولة المسلمة والمجتمع المسلم في شيء من هذه التفريعات التي لا تنشأ إلا بعد قيام الأصل الأصيل! ومفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع . فلا يبدأ بالمعروف الفرعي والمنكر الفرعي قبل الانتهاء من المعروف الأكبر والمنكر الأكبر ، كما وقع أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم!

{ والحافظون لحدود الله } . . وهو القيام على حدود الله لتنفيذها في النفس وفي الناس .ومقاومة من يضيعها أو يعتدي عليها . . ولكن هذه كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا يقام عليها إلا في مجتمع مسلم . ولا مجتمع مسلم إلا المجتمع الذي تحكمه شريعة الله وحدها في أمره كله؛ وإلا الذي يفرد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والحاكمية والتشريع؛ ويرفض حكم الطاغوت المتمثل في كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت