يتناقلها خلفهم هناك . . ولقد ذكر القرآن الكريم كثيرًا من هذه السير ومن هذه الآثار في مواضع منه متفرقة .
بعضها حدد مكانه وزمانه وشخوصه . وبعضها أشار إليه بدون تحديد ولا تفصيل . . وهنا يشير هذه الإشارة المجملة ليصل منها إلى نتيجة مجملة: إن ما جرى للمكذبين بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغدًا . ذلك كي تطمئن قلوب الجماعة المسلمة إلى العاقبة من جهة . وكي تحذر الانزلاق مع المكذبين من جهة أخرى . وقد كان هنالك ما يدعو إلى الطمأنينة وما يدعو إلى التحذير . وفي السياق سيرد من هذه الدواعي الكثير .وعلى إثر بيان هذه السنة يتجاوب النداء للعظة والعبرة بهذا البيان:
{ هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } . .هذا بيان للناس كافة . فهو نقلة بشرية بعيدة ما كان الناس ببالغيها لولا هذا البيان الهادي . ولكن طائفة خاصة هي التي تجد فيه الهدى ، وتجد فيه الموعظة وتنتفع به وتصل على هداه . . طائفة { المتقين } . .إن الكلمة الهادية لا يستشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى . والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها . . والناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل ، وبالهدى والضلال . . إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل . إنما تنقص الناس الرغبة في الحق ، والقدرة على اختيار طريقه والرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه . . لا ينشئهما إلا الإيمان ، ولا يحفظهما إلا التقوى . . ومن ثم تتكرر في القرآن أمثال هذه التقريرات . تنص على أن ما في هذا الكتاب من حق ومن هدى ومن نور ومن موعظة ومن عبرة . . . إنما هي للمؤمنين وللمتقين . فالإيمان والتقوى هما اللذان يشرحان القلب للهدى والنور والموعظة والعبرة . وهما اللذان يزينان للقلب اختيار الهدى والنور والانتفاع بالموعظة والعبرة . . واحتمال مشقات الطريق . . وهذا هو الأمر وهذا هو لب المسألة . . لا مجرد العلم والمعرفة . . فكم ممن يعلمون ويعرفون وهم في حمأة الباطل يتمرغون . إما خضوعًا لشهوة لا يجدي معها العلم والمعرفة وإما خوفًا من أذى ينتظر حملة الحق وأصحاب الدعوة!
وبعد هذا البيان العريض يتجه إلى المسلمين بالتقوية والتأسية والتثبيت: { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون . إن كنتم مؤمنين } . .لا تهنوا - من الوهن والضعف - ولا تحزنوا - لما أصابكم ولما فاتكم - وأنتم الأعلون . . عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون لله وحده وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه! ومنهجكم أعلى . فأنتم تسيرون على منهج من صنع الله وهم يسيرون على منهج من صنع خلق الله! ودوركم أعلى . فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها الهداة لهذه البشرية كلها وهم شاردون عن النهج ضالون عن الطريق . ومكانكم في الأرض أعلى فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها وهم إلى الفناء والنسيان صائرون . . فإن كنتم مؤمنين حقًا فأنتم الأعلون . وإن