وفي أول آية من آيات القتال نجد التحديد الحاسم لهدف القتال , والراية التي تخاض تحتها المعركة في وضوح وجلاء: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) . .
إنه القتال لله , لا لأي هدف آخر من الأهداف التي عرفتها البشرية في حروبها الطويلة . القتال في سبيل الله . لا في سبيل الأمجاد والاستعلاء في الأرض , ولا في سبيل المغانم والمكاسب ; ولا في سبيل الأسواق والخامات ; ولا في سبيل تسويد طبقة على طبقة أو جنس على جنس . . إنما هو القتال لتلك الأهداف المحددة التي من أجلها شرع الجهاد في الإسلام , القتال لإعلاء كلمة الله في الأرض , وإقرار منهجه في الحياة , وحماية المؤمنين به أن يفتنوا عن دينهم , أو أن يجرفهم الضلال والفساد , وما عدا هذه فهي حرب غير مشروعة في حكم الإسلام , وليس لمن يخوضها أجر عند الله ولا مقام .
ومع تحديد الهدف , تحديد المدى: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) . .
والعدوان يكون بتجاوز المحاربين المعتدين إلى غير المحاربين من الآمنين المسالمين الذين لا يشكلون خطرا على الدعوة الإسلامية ولا على الجماعة المسلمة , كالنساء والأطفال والشيوخ والعباد المنقطعين للعبادة من أهل كل ملة ودين . .
كما يكون بتجاوز آداب القتال التي شرعها الإسلام , ووضع بها حدا للشناعات التي عرفتها حروب الجاهليات الغابرة والحاضرة على السواء . .
تلك الشناعات التي ينفر منها حس الإسلام , وتأباها تقوى الإسلام .
وهذه طائفة من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووصايا أصحابه , تكشف عن طبيعة هذه الآداب , التي عرفتها البشرية أول مرة على يد الإسلام:
ففي صحيح البخارى ( 3015 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِى بَعْضِ مَغَازِى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ
وفي صحيح البخارى ( 2559 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ » . .
وفي صحيح البخارى ( 3016 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى بَعْثٍ فَقَالَ « إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ » ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ « إِنِّى أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا ، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا » . .
وفي سنن أبى داود ( 2668 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَعَفُّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الإِيمَانِ » . ( حسن) .
وفي صحيح البخارى ( 2474 ) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِىَّ قَالَ: نَهَى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ . .