الاعتقاد . فالذي يسلبه هذه الحرية , ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة , يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته . ومن ثم يدفعه بالقتل . .
لذلك لم يقل:وقاتلوهم . إنما قال: (واقتلوهم) . .
(واقتلوهم حيث ثقفتموهم) . . أي حيث وجدتموهم .
في أية حالة كانوا عليها ; وبأية وسيلة تملكونها - مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق بالنار .
ولا قتال عند المسجد الحرام , الذي كتب الله له الأمن , وجعل جواره آمنا استجابة لدعوة خليله إبراهيم [ عليه السلام ] وجعله مثابة يثوب إليها الناس فينالون فيه الأمن والحرمة والسلام . . لا قتال عند المسجد الحرام إلا للكافرين الذين لا يرعون حرمته , فيبدءون بقتال المسلمين عنده . وعند ذلك يقاتلهم المسلمون ولا يكفون عنهم حتى يقتلوهم . . فذلك هو الجزاء اللائق بالكافرين , الذين يفتنون الناس عن دينهم , ولا يرعون حرمة للمسجد الحرام , الذي عاشوا في جواره آمنين .
(فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم) . .
والانتهاء الذي يستأهل غفران الله ورحمته , هو الانتهاء عن الكفر , لا مجرد الانتهاء عن قتال المسلمين أو فتنتهم عن الدين . فالانتهاء عن قتال المسلمين وفتنتهم قصاراه أن يهادنهم المسلمون . ولكنه لا يؤهل لمغفرة الله ورحمته . فالتلويح بالمغفرة والرحمة هنا يقصد به إطماع الكفار في الإيمان , لينالوا المغفرة والرحمة بعد الكفر والعدوان .
وما أعظم الإسلام , وهو يلوح للكفار بالمغفرة والرحمة , ويسقط عنهم القصاص والدية بمجرد دخولهم في الصف المسلم , الذي قتلوا منه وفتنوا , وفعلو بأهله الأفاعيل !!!
وغاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله , وألا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام , وتسلط عليهم فيه المغريات والمضللات والمفسدات . وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه , ويهابه أعداؤه , فلا يجرؤوا على التعرض للناس بالأذى والفتنة , ولا يخشى أحد يريد الإيمان أن تصده عنه قوة أو أن تلحق به الأذى والفتنة . . والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة ; وحتى تصبح الغلبة لدين الله والمنعة:
(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله . فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) . .
وإذا كان النص - عند نزوله - يواجه قوة المشركين في شبه الجزيرة , وهي التي كانت تفتن الناس , وتمنع أن يكون الدين لله , فإن النص عام الدلالة , مستمر التوجيه . والجهاد ماض إلى يوم القيامة . ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين , وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله , والاستجابة لها عند الاقتناع , والاحتفاظ بها في أمان . والجماعة المسلمة مكلفة في كل حين أن تحطم هذه القوة الظالمة ; وتطلق الناس أحرارا من قهرها , يستمعون ويختارون ويهتدون إلى الله .