فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 2003

وقال تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} (77) سورة الفرقان

قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ الذينَ أُرْسِلْتَ إليهم: إنَّ الفائزينَ بِنِعَمِ الله الجَليلةِ ، التي يَتَنَافَسُ فيها المُتنافِسُونَ إِنما نَالُوها بما ذُكِرَ من الصِّفاتِ الحميدةِ التي اتَّصَفُوا بها ، وَلَوْلاها لم يَهْتَمَّ بهم ربُّهم ، ولم يَعْتَدَّ . ولذلكَ فإنَّهُ لا يَعْبَأُ بِكُمْ إذا لم تَعْبُدُوه ، فما خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ إِلا لِيَعْبُدُوا ربَّهُمْ ويُطِيعُوه وحْدَه لا شريكَ له ، وما دُمْتُمْ قد خَالَفْتُم أمرَ ربِّكم ، وَعَصَيْتُمْ حُكْمَهُ ، وكَذَّبْتُم رَسُولَهُ ، فَسَوْفَ يَلْزَمُكُمْ أَثَر تَكْذِيبِكُمْ ، وهو العقابُ الذي لا مَنَاصَ منهُ ، فاسْتَعِدُّوا له ، وهَيِّئُوا أنفسَكُمْ لذلكَ اليومِ العصيبِ ، وهو آتٍ قَريبٌ .

فما قومه ? وما هذه البشرية كلها , لولا القلة المؤمنة التي تدعو الله . وتتضرع إليه . كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون ?

من هم والأرض التي تضم البشر جميعا إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل . والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض . والأمة واحدة من أمم هذه الأرض . والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله ?

وإن الإنسان مع ذلك لينتفخ وينتفخ ويحسب نفسه شيئا ; ويتطاول ويتطاول حتى ليتطاول على خالقه سبحانه ! وهو هين هين , ضعيف ضعيف , قاصر قاصر . إلا أن يتصل بالله فيستمد منه القوة والرشاد , وعندئذ فقط يكون شيئا في ميزان الله ; وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان . فضلا من الله الذي كرم هذا الإنسان وأسجد له الملائكة , ليعرفه ويتصل به ويتعبد له , فيحفظ بذلك خصائصه التي سجدت له معها الملائكة ; وإلا فهو لقي ضائع , لو وضع نوعه كله في الميزان ما رجحت به كفة الميزان !

(قل:ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم) . . وفي التعبير سند للرسول - صلى الله عليه وسلم - وإعزاز: (قل:ما يعبأ بكم ربي) . فأنا في جواره وحماه . هو ربي وأنا عبده . فما أنتم بغير الإيمان به , والانضمام إلى عباده ? إنكم حصب جهنم (فقد كذبتم فسوف يكون لزاما) .

وفي الدعاء للطبراني ( 957 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الطَّائِفِ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ، فَانْصَرَفَ فَأَتَى ظِلَّ شَجَرَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي ، وَقِلَّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ ، أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي ، إِلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي أَوْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي ، إِنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبَانَ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي ، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ أَوْ تُحِلَّ عَلَيَّ سَخَطَكَ ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ" ( حسن)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت