بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَثَلَ نُورِهِ لِعِبَادِهِ ، وَهِدَايَتَهُ إِيَّاهُمْ ، أَرَادَ هُنَا بَيَانَ حَالِ مَنْ اهْتَدَوا بِذَلِكَ النُّورِ ، وَصِفَاتِهِمْ ، فَقَالَ: إِنَّ حَالَ هَؤُلاءِ المُهْتَدِينَ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَاسَاتِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ ( كاللَّغْو والرَّفثِ فِي الحَدِيثِ ) كَمَثَلِ القَنْدِيلِ فِي المِصْبَاحِ المُضِيءِ ، الدُّرِي المُقَام فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ التي أُقِيمَتْ لِعِبَادَة اللهِ تَعَالَى فِيهَا ، وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مُنَزَّهَةٌ ، يَقُومُ فِيهَا بِعِبَادَتِهِ تَعَالَى رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ يُنَزِّهُونَ الله تَعَالَى فِيهَا وَيُقَدِّسُونَه فِي أَوائِلِ النَّهَارِ ( الغُدُوِّ ) وَفِي آخِرِهِ ( الآصَالِ ) .
وَهَؤُلاءِ الرِّجَالُ ، الذينَ يَعْمُرُونَ بُيُوتَ اللهِ ، هُمُ رِجَالٌ أَصْحَابُ هِمَمٍ وَعَزَائِمَ لاَ يُلْهِيهِمْ شَيءٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ، وإِقَامِ الصَّلاَةِ: لاَ تِجَارَةٌ ، وَلاَ بَيْعٌ ، وَلاَ تَشْغَلُهُم الدُّنْيا وَزُخْرُفُهَا ، وَزِينَتُها ، وَمَلاذُّهَا ، وَلاَ بَيْعُها ، ولاَ رِبْحُها . . عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الذي عَنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُمْ وأَنْفَعُ مِمَا بِأَيْدِيهِمْ ، وَهُمْ يُقَدِّمُونَ طَاعَةَ رَبِّهِمْ وَمَحَبَّتَه عَلَى مُرَادِهِم وَمَحَبَّتِهِمْ ، فَلاَ شَيءَ يُلْهِيهِم عَنْ أَنْ يُؤدُّوا الصَّلاَةَ فِي وَقْتِهَا ، لأَنَّهُمْ يَخَافُونَ يَومَ القِيَامَةِ الذي تتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصَارُ مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ ، وَعِظَمِ الهَوْلِ .
وَهَؤُلاَءِ هُمُ الذينُ يَتَقَبَّلُ اللهُ تَعَالَى حَسَنَاتِهِمْ ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ، فَيُضَاعِفُ لَهُمُ الحَسَنَاتِ ( وَيَزِيدُهُم مِنْ فَضْلِهِ ) ، وَهُوَ تَعَالَى يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَبِدُونَ تَحْدِيدٍ فَهُوَ الكَرِيمُ الجَوَادُ .
بين - سبحانه - بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره ، فقال - تعالى -: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله } .وقوله { فِي بُيُوتٍ } متعلق بقوله: { يُسَبِّحُ } . والمراد بهذه البيوت: المساجد كلها ، وعلى رأسها المسجد الحرام ، والمسجد النبوى ، والمسجد الأقصى .و"أذن"بمعنى أمر وقضى ، وفاعل"يسبح"قوله"رجال".والغدو والغداة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، والآصال جمع أصيل ، وهو ما بين العصر وغروب الشمس .
أى: هذا هو نور الله - الذى يهدى إليه من يشاء من عباده ، وعلى رأس أولئك العباد الذين هداهم الله - سبحانه - إلى ما يحبه ويرضاه ، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه في تلك المساجد التى أمر - سبحانه - بتشييدها وتعظيم قدرها ، وصيانتها من كل سوء أو نجس ، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص ، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات . في تلك المساجد في أول النهار وفى آخرة ، وفى غير ذلك من الأوقات .وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر ، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات .وقوله - تعالى -: { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله } مدح وتكريم لهؤلاء الرجال .
أى: يسبح الله - تعالى - في تلك المساجد بالغدو والآصال ، رجال من شأنهم ومن صفاتهم ، أنهم لا يشغلهم ،"تجارة"مهما عظمت ،"ولا بيع"، مهما اشتدت حاجتهم إليه"عن ذكر الله"أى: عن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده وطاعته .