فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 2003

والتقريرات التي يتميز بها أسلوب القرآن , ومنهج القرآن التربوي العجيب: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) . .

وكان ذلك في مطالع المعركة , حيث بدأ المسلمون يحسون المشركين , أي يخمدون حسهم , أو يستأصلون شأفتهم . قبل أن يلهيهم الطمع في الغنيمة . وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال لهم:"لكم النصر ما صبرتم"فصدقهم الله وعده على لسان نبيه .

(حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون:منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) . .

وهو تقرير لحال الرماة . وقد ضعف فريق منهم أمام إغراء الغنيمة ; ووقع النزاع بينهم وبين من يرون الطاعة المطلقة لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتهى الأمر إلى العصيان . بعد ما رأوا بأعينهم طلائع النصر الذي يحبونه . فكانوا فريقين:فريقا يريد غنيمة الدنيا , وفريقا يريد ثواب الآخرة . وتوزعت القلوب فلم يعد الصف وحدة , ولم يعد الهدف واحدا . وشابت المطامع جلاء الإخلاص والتجرد الذي لا بد منه في معركة العقيدة . فمعركة العقيدة ليست ككل معركة . إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير . ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير . إنها معركة لله , فلا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم له .

وما داموا يرفعون راية الله وينتسبون إليها , فإن الله لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها ; كي لا يكون هناك غش ولا دخل ولا تمويه بالراية . ولقد يغلب المبطلون الذين يرفعون راية الباطل صريحة في بعض المعارك - لحكمة يعلمها الله - أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد ,فلا يمنحهم الله النصر أبدا , حتى يبتليهم فيتمحصوا ويتمحضوا . . وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة بهذه الإشارة إلى موقفهم في المعركة , وهذا ما أراد الله - سبحانه - أن يعلمه للجماعة المسلمة , وهي تتلقى الهزيمة المريرة والقرح الأليم ثمرة لهذا الموقف المضطرب المتأرجح !

(منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) . .

والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب , التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم . . عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الدنيا , حتى نزل فينا يوم أحد: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) . . وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها ; ويعرفهم من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها !

وفي الوقت ذاته يكشف لهم عن طرف من حكمة الله وتدبيره , وراء هذه الآلام التي تعرضوا لها ; ووراء هذه الأحداث التي وقعت بأسبابها الظاهرة: (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت