فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 2003

بَقَايَا الألْوَاحِ . فَجَاءَتِ المَلاَئِكَةُ تَحْمِلُ التَّابُوتَ وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَي طَالُوتَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ . وَفِي ذَلِكَ آيةٌ لِبني إسْرَائِيلَ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِمْ ، وَعَلَى صِدْقِهِ فِيمَا أمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مِنْ وُجُوبِ إطَاعَةِ طَالُوتَ ، هَذا إنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليومِ الآخَرِ .

وَلَمَّا خَرَجَ طَالُوتُ بِجَيْشِهِ مِنَ البَلَدِ مُتَّجِهًا إلى حَرْبِ الأَعْدَاءِ ، وَكَانَ الوَقْتُ قَائِضًا ، سَألَ بَنُو إِسْرائِيلَ طَالُوتَ المَاءَ ، فَقَالَ لَهُمْ إنَّ اللهَ مُخْتَبِرُكُمْ بِنَهْرٍ سَتَمُرُّونَ بِهِ ( وَهُوَ نَهْرُ الأُرْدُنِّ عَلَى قَوْلٍ ) فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلا يُصَاحِبْنِي ، وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ فَلْيُصَاحِبْنِي ، وَلَكِنْ لاَ بَأَسَ فِي أنْ يَغْتَرِفَ الوَاحِدُ غُرْفَةً بَيَدَيهِ يَبُلُّ بِهَا رِيقَهُ ، فَتَمَرَّدَ أكْثَرُهُمْ ، وَشَربُوا مِنَ النَّهْرِ ، وَبَقِيَ طَالُوتُ فِي فِئةٍ قَليلَةٍ مِنْ جُنُودِهِ ، فَاجْتَازَ بِهِم النَّهْرَ ، فَلَمَا نَظَرَ أصْحَابُ طَالُوتَ إلى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ ، وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ ، قَالُوا: إِنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ مُحَارَبَةَ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ ، فَشَجَّعَهُمْ عُلَمَاؤهُمْ ، وَقَالُوا لَهُمْ: إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ، وَإنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَلَيْسَ بِكْثَرَةِ العَدَدِ وَالعُدَّةِ ، وَكثيرًا مَا غَلَبَتْ قُوَّةٌ صَغِيرةٌ مُؤْمِنَةٌ مُخْلِصَةٌ فِي قِتَالِهَا ، فِئَةً كَثِيرَة العَدَدِ بِإذْنِ اللهِ ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ الصَّابِرِينَ وَيَنْصُرُهُمْ .

وَلَمّا تَقَدَّمَ المُؤْمِنُون المُتَوَكِّلُونَ عَلَى اللهِ مَعَ طَالُوتَ لِقِتَالِ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ ، دَعَوا اللهَ وَرَجَوْهُ أنْ يُنْزِلَ عَلَيهِم الصَّبْرَ عَلَى الشِّدَّةِ ، وَأنْ يُثَبِّتَ أقْدَامَهُم عِنْدَ لِقَاءِ أَعْدَائِهِمْ ، وَأنْ يُجَنِّبَهُمُ العَجْزَ وَالفِرَارَ ، وَأنْ يَمُنَّ عَلَيهِمْ بِالنَّصْرِ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ

فَهَزَمَ المُؤْمِنُونَ الذِينَ كَانُوا مَعَ طَالُوتَ أعْدَاءَهُمُ الكَافِرِينَ بِإذْنِ اللهِ ، وَقَتَلَ دَاوُدُ ( مِنْ جَيْشِ طَالُوتَ ) جَالُوتَ مَلِكَ الكُفَّارِ ، وَمَنَّ اللهُ عَلَى دَاوُدَ بِأنْ آتَاهُ المُلْكَ الذِي كَانَ بِيَدِ طَالُوتَ ، وَالنُّبُوَّةَ ( الحِكْمَةَ ) ، وَعَلَّمَهُ اللهُ مِنَ العِلْمِ الذِي اخْتَصَّهُ بِهِ ، وَلُوْلا أنَّ اللهَ يَدْفَعُ بَأسَ أهْلِ البَغْيِ وَالجَوْرِ وَالآثَامِ ، بِأهْلِ الصَّلاَحِ وَالخَيْرِ ، لِغَلَبَ أَهْلَ الفَسَادِ ، وَبَغَوْا عَلَى الصَّالِحينَ ، وَصَارَ لَهُمْ سُلْطَانٌ فَفَسَدَتِ الأرْضُ ، فَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أنْ أذِنَ لِلْمُصْلِحِينَ بِقِتَالِ البُغَاةِ المُفْسِدِينَ . وَاللهُ يَمُنُّ عَلَى عِبَادِهِ وَيَرْحَمُهُمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ ، وَلَهُ الحِكْمَةُ وَالحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ فِي جَميعِ أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ .

وَهَذِهِ القَصَصُ التِي قَصَّهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّما قَصَّها بِالحَقِّ ( أيْ بِالوَاقِعِ الذِي كَانَ الأمرُ عَلَيهِ ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَي أهْلِ الكِتَابِ مِنَ الحَقِّ ) لِتَكًونَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُسْوةٌ يَتأسَّى بِها ، وَلِتَكُونَ دَليلًا عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ ، وَلِيَعْلَمَ أنَّ الله سَيَنْصُرُهُ كَمَا نَصَرَ مَنْ جَاءَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ ، وَلِيعَلْمَ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ الذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ .

إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى . . ولكنه دستور شامل . . دستور للتربية , كما أنه دستور للحياة العملية , ومن ثم فقد تضمن عرض تجارب البشرية بصورة موحية على الجماعة المسلمة التي جاء لينشئها ويربيها ; وتضمن بصفة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية في الأرض من لدن آدم - عليه السلام - وقدمها زادا للأمة المسلمة في جميع أجيالها . تجاربها في الأنفس , وتجاربها في واقع الحياة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت