أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِى خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ. وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلَكِنْ لاَ أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّى وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّى أَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ».
فهؤلاء هم الشهداء . هؤلاء الذي يخرجون في سبيل الله , لا يخرجهم إلا جهاد في سبيله , وإيمان به , وتصديق برسله .
ولقد كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفتى فارسي يجاهد أن يذكر فارسيته ويعتز بجنسيته في مجال الجهاد:
وفي مصنف ابن أبي شيبة ( 37916) عَنْ الْفَارِسِيِّ مَوْلَى بَنِي مُعَاوِيَةَ ؛ أَنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَتَلَهُ ، وَقَالَ: خُذْهَا وَأَنَا الْغُلاَمُ الْفَارِسِيُّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا مَنَعَك أَنْ تَقُولَ: الأَنْصَارِي وَأَنْتَ مِنْهُمْ ؟ إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ. ( حسن)
فقد كره له - صلى الله عليه وسلم - أن يفخر بصفة غير صفة النصر للنبي - صلى الله عليه وسلم - , وأن يحارب تحت شارة إلا شارة النصر لهذا الدين . . وهذا هو الجهاد . وفيه وحده تكون الشهادة , وتكون الحياة للشهداء .
وقال تعالى: (والذين قتلوا في سبيل الله , فلن يضل أعمالهم . سيهديهم , ويصلح بالهم , ويدخلهم الجنة عرفها لهم) . .
لن يضل أعمالهم . . في مقابل ما جاء عن الذين كفروا أنه أضل أعمالهم . فهي أعمال مهتدية واصلة مربوطة إلى الحق الثابت الذي صدرت عنه , وانبعثت حماية له , واتجاها إليه . وهي باقية من ثم لأن الحق باق لا يهدر ولا يضيع .
ثم نقف أمام هذه الحقيقة الهائلة . . حقيقة حياة الشهداء في سبيل الله . . فهي حقيقة مقررة من قبل في قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) . . ولكنها تعرض هنا عرضا جديدا . تعرض في حالة امتداد ونماء في طريقها الذي غادرت الحياة الدنيا وهي تسلكه وتتوخاه . طريق الطاعة والهداية والتجرد والنقاء: (سيهديهم ويصلح بالهم) :
فالله ربهم الذي قتلوا في سبيله , يظل يتعهدهم بالهداية - بعد الاستشهاد - ويتعهدهم بإصلاح البال , وتصفية الروح من بقية أوشاب الأرض ; أو يزيدها صفاء لتتناسق مع صفاء الملأ الأعلى الذي صعدت إليه , وإشراقه وسناه . فهي حياة مستمرة في طريقها لم تنقطع إلا فيما يرى أهل الأرض المحجوبون . وهي حياة يتعهدها الله ربها في الملأ الأعلى . ويزيدها هدى . ويزيدها صفاء , ويزيدها إشراقا . وهي حياة نامية في ظلال الله . وأخيرا يحقق لهم ما وعدهم: (ويدخلهم الجنة عرفها لهم) . .
وقد ورد حديث عن تعريف الله الجنة للشهداء ففي مسند أحمد ( 18257) عَنْ قَيْسٍ الْجُذَامِىِّ - رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « يُعْطَى الشَّهِيدُ سِتَّ خِصَالٍ عِنْدَ