إلا أن هذا النص الصادق من العليم الخبير كفيل وحده بأن يغير مفاهيمنا للموت والحياة , وما بينهما من انفصال والتئام . وكفيل وحده بأن يعلمنا أن الأمور في حقيقتها ليست كما هي في ظواهرها التي ندركها ; وإننا حين ننشىء مفاهيمنا للحقائق المطلقة بالاستناد إلى الظواهر التي ندركها . لا ننتهي إلى إدراك حقيقي لها ; وأنه أولى لنا أن ننتظر البيان في شأنها ممن يملك البيان سبحانه وتعالى .
فهؤلاء ناس منا , يقتلون , وتفارقهم الحياة التي نعرف ظواهرها , ويفارقون الحياة كما تبدو لنا من ظاهرها . ولكن لأنهم: قتلوا في سبيل الله ; وتجردوا له من كل الاعراض والأغراض الجزئية الصغيرة ; واتصلت أرواحهم بالله , فجادوا بأرواحهم في سبيله . .
لأنهم قتلوا كذلك , فإن الله - سبحانه - يخبرنا في الخبر الصادق , أنهم ليسوا أمواتا . وينهانا أن نحسبهم كذلك , ويؤكد لنا أنهم أحياء عنده , وأنهم يرزقون . فيتلقون رزقه لهم استقبال الأحياء . . ويخبرنا كذلك بما لهم من خصائص الحياة الأخرى: (فرحين بما آتاهم الله من فضله) . .
فهم يستقبلون رزق الله بالفرح ; لأنهم يدركون أنه"من فضله"عليهم . فهو دليل رضاه وهم قد قتلوا في سبيل الله . فأي شيء يفرحهم إذن أكثر من رزقه الذي يتمثل فيه رضاه ?
ثم هم مشغولون بمن وراءهم من إخوانهم ; وهم مستبشرون لهم ; لما علموه من رضى الله عن المؤمنين المجاهدين: (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . (يستبشرون بنعمة من الله وفضل , وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) .
إنهم لم ينفصلوا من إخوانهم (الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) ولم تنقطع بهم صلاتهم . إنهم"أحياء"كذلك معهم , مستبشرون بما لهم في الدنيا والآخرة . موضع استبشارهم لهم: ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون . .
وقد عرفوا هذا واستيقنوه من حياتهم"عند ربهم"ومن تلقيهم لما يفيضه عليهم من نعمة وفضل , ومن يقينهم بأن هذا شأن الله مع المؤمنين الصادقين . وأنه لا يضيع أجر المؤمنين . .
فما الذي يبقى من خصائص الحياة غير متحقق للشهداء - الذين قتلوا في سبيل الله ? - وما الذي يفصلهم عن إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ? وما الذي يجعل هذه النقلة موضع حسرة وفقدان ووحشة في نفس الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ; وهي أولى أن تكون موضع غبطة ورضى وأنس , عن هذه الرحلة إلى جوار الله , مع هذا الاتصال بالأحياء والحياة !
إنها تعديل كامل لمفهوم الموت - متى كان في سبيل الله - وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم , وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم . وإفساح لمجال الحياة ومشاعرها وصورها , بحيث تتجاوز نطاق هذه العاجلة , كما تتجاوز مظاهر الحياة الزائلة . وحيث تستقر في مجال فسيح عريض