الأرض ابتغاء الرزق , أو قتل في ثنايا المعركة وهو يجاهد: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى:لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) . .
يقولونها لفساد تصورهم لحقيقة ما يجري في الكون , ولحقيقة القوة الفاعلة في كل ما يجري . فهم لا يرون إلا الأسباب الظاهرة والملابسات السطحية , بسبب انقطاعهم عن الله , وعن قدره الجاري في الحياة .
(ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) . . فإحساسهم بأن خروج إخوانهم ليضربوا في الأرض في طلب الرزق فيموتوا , أو ليغزوا ويقاتلوا فيقتلوا . . إحساسهم بأن هذا الخروج هو علة الموت أو القتل , يذهب بأنفسهم حسرات أن لم يمنعوهم من الخروج ! ولو كانوا يدركون العلة الحقيقية وهي استيفاء الأجل , ونداء المضجع , وقدر الله , وسنته في الموت والحياة , ما تحسروا . ولتلقوا الابتلاء صابرين , ولفاءوا إلى الله راضين: (والله يحيي ويميت) . .
فبيده إعطاء الحياة , وبيده استرداد ما أعطى , في الموعد المضروب والأجل المرسوم , سواء كان الناس في بيوتهم وبين أهلهم , أو في ميادين الكفاح للرزق أو للعقيدة . وعنده الجزاء , وعنده العروض , عن خبرة وعن علم وعن بصر: (والله بما تعملون بصير . .) . .
على أن الأمر لا ينتهي بالموت أو القتل ; فهذه ليست نهاية المطاف . وعلى أن الحياة في الأرض ليست خير ما يمنحه الله للناس من عطاء . فهناك قيم أخرى , واعتبارات أرقى في ميزان الله: (ولئن قتلتم - في سبيل الله - أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون . ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) . .
فالموت أو القتل في سبيل الله - بهذا القيد , وبهذا الاعتبار - خير من الحياة , وخير مما يجمعه الناس في الحياة من أعراضها الصغار:من مال ومن جاه ومن سلطان ومن متاع . خير بما يعقبه من مغفرة الله ورحمته , وهي في ميزان الحقيقة خير مما يجمعون . وإلى هذه المغفرة وهذه الرحمة يكل الله المؤمنين . . إنه لا يكلهم - في هذا المقام - إلى أمجاد شخصية , ولا إلى اعتبارات بشرية . إنما يكلهم إلى ما عند الله , ويعلق قلوبهم برحمة الله . وهي خير مما يجمع الناس على الإطلاق , وخير مما تتعلق به القلوب من أعراض . .
وكلهم مرجوعون إلى الله , محشورون إليه على كل حال . ماتوا على فراشهم أو ماتوا وهم يضربون في الأرض , أو قتلوا وهم يجاهدون في الميدان . فما لهم مرجع سوى هذا المرجع ; وما لهم مصير سوى هذا المصير . . والتفاوت إذن إنما يكون في العمل والنية وفي الاتجاه والاهتمام . . أما النهاية فواحدة:موت أو قتل في الموعد المحتوم , والأجل المقسوم . ورجعة إلى الله وحشر في يوم الجمع والحشر . . ومغفرة من الله ورحمة , أو غضب من الله وعذاب . . فأحمق الحمقى من يختار لنفسه المصير البائس . وهو ميت على كل حال !