فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 2003

قال تعالى: * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ* (123) سورة التوب

يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ الطَّرِيقَ الأَمْثَلَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْدَؤُوا بِقِتَالِ الأَقْربِ فَالأَقْرَبِ مِنْهُمْ إِلى أَرْضِ الإِسْلاَمِ ، وَبِذلِكَ لاَ يَبْقَى مَجَالٌ لأنْ يُؤْخَذَ المُسْلِمُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ مِنْ قِبَلِ أَعْدَائِهِمْ ، إِذَا تَرَكُوا مَنْ هُمْ قُرْبَهُمْ وَذَهَبُوا لِيُقَاتِلُوا مَنْ خَلْفَ أَعْدَائِهِمْ ، وَلِهَذَا بَدَأَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ ، وَلَمَّا انْتَهَى مِنَ العَرَبِ شَرَعَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الكِتَابِ فَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ ، لأَنَّهُمْ أَهْلُ الكِتَابِ . وَهَكَذَا كَانَ المُسْلِمُونَ كُلَّمَا عَلَوْا أُمَّةً انْتَقَلُوا إِلَى مَنْ هُمْ بَعْدَهُمْ ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ مِنَ العُتَاةِ الفُجَّارِ وَهَكَذَا .

وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَكُونُوا أَشِدّاءَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ ، وَأَنْ يُظْهِرُوا لَهُمْ غِلْظَةً وَشِدَّةً وَخُشُونَةً فِي القِتَالِ ، لِيُدْخِلُوا الوَهَنَ إِلَى نُفُوسِهِمْ ، وَنُفُوسِ مَنْ خَلْفَهُمْ . وَمِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا أَشِدَّاءَ عَلَى الكُفَّارِ ، رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ . وَيُخْبِرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ مَعَهُمْ يُثَبِّتُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ إِذَا اتَّقَوْهُ وَأَطَاعُوهُ .

فأما خطة الحركة الجهادية التي تشير إليها الآية في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) . .

فقد سارت عليها الفتوح الإسلامية , تواجه من يلون"دار الإسلام"ويجاورونها , مرحلة فمرحلة . فلما أسلمت الجزيرة العربية - أو كادت ولم تبق إلا فلول منعزلة لا تؤلف قوة يخشى منها على دار الإسلام بعد فتح مكة - كانت غزوة تبوك على أطراف بلاد الروم . ثم كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس , فلم يتركوا وراءهم جيوبا ; ووحدت الرقعة الإسلامية , ووصلت حدودها , فإذا هي كتلة ضخمة شاسعة الأرجاء , متماسكة الأطراف ; . . ثم لم يأتها الوهن فيما بعد إلا من تمزقها , وإقامة الحدود المصطنعة فيما بينها على أساس ملك البيوت , أو على أساس القوميات ! وهي خطة عمل أعداء هذا الدين على التمكين لها جهد طاقتهم وما يزالون يعملون . وستظل هذه الشعوب التي جعل منها الإسلام"أمة واحدة"في"دار الإسلام"المتصلة الحدود - وراء فواصل الأجناس واللغات والأنساب والألوان - ستظل ضعيفة مهيضة إلا أن تثوب إلى دينها , وإلى رايته الواحدة ; وإلا أن تتبع خطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتدرك أسرار القيادة الربانية التي كفلت لها النصر والعز والتمكين .

ونقف مرة أخرى أمام قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة , واعلموا أن الله مع المتقين) . .

فنجد أمرا بقتال الذين يلون المسلمين من الكفار . لا يذكر فيه أن يكونوا معتدين على المسلمين ولا على ديارهم . . وندرك أن هذا هو الأمر الأخير , الذي يجعل"الانطلاق"بهذا الدين هو الأصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت