إنه لم يسجد شكرا كما يسجد رجال الحاشية المتملقون للطواغيت . ولم يقل له:عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين , كما يقول المتملقون للطواغيت !
كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الأزمة القادمة التي أول بها رؤيا الملك , خيرا مما ينهض بها أحد في البلاد ; وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحا من الموت وبلادا من الخراب , ومجتمعا من الفتنة - فتنة الجوع - فكان قويا في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفايته وأمانته , قوته في الاحتفاظ بكرامته وإبائه:
(قال:اجعلني على خزائن الأرض . إني حفيظ عليم) . .
والأزمة القادمة وسنوالرخاء التي تسبقها في حاجة إلى الحفظ والصيانة والقدرة على إدارة الأمور بالدقة وضبط الزراعة والمحاصيل وصيانتها . وفي حاجة إلى الخبرة وحسن التصرف والعلم بكافة فروعه الضرورية لتلك المهمة في سنوات الخصب وفي سني الجدب على السواء . ومن ثم ذكر يوسف من صفاته ما تحتاج إليه المهمة التي يرى أنه أقدر عليها , وأن وراءها خيرا كبيرا لشعب مصر وللشعوب المجاورة:
(إني حفيظ عليم) . .
ولم يكن يوسف يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه فيطلب أن يجعله على خزائن الأرض . .
إنما كان حصيفا في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة ; وليكون مسؤولا عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره طوال سبع سنوات , لا زرع فيها ولا ضرع . فليس هذا غنما يطلبه يوسف لنفسه . فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد إنه غنيمة . إنما هي تبعة يهرب منها الرجال , لأنها قد تكلفهم رؤوسهم , والجوع كافر , وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والجنون .
استطراد لتعليل طلبه الحكم
وهنا تعرض شبهة . . أليس في قول يوسف - عليه السلام: (اجعلني على خزائن الأرض , إني حفيظ عليم) . .
أمران محظوران في النظام الإسلامي:
أولهما:طلب التولية , وهو محظور بنص قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله [ أو حرص عليه ] ". . [ متفق عليه ] .
وثانيهما:تزكية النفس , وهي محظورة بقوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم) ?