من الوجود الحقيقي للإسلام ; وإن بقيت المآذن والمساجد , والأدعية والشعائر ; تخدر مشاعر الباقين علي الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين ; وتوهمهم أنه لا يزال بخير ; وهو يمحى من الوجود محوا !
إن المجتمع المسلم وجد قبل أن توجد الشعائر , وقبل أن توجد المساجد . . وجد من يوم أن قيل للناس:اعبدوا الله ما لكم من إله غيره , فعبدوه . ولم تكن عبادتهم له ممثلة في الشعائر , فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت . إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة له وحده - من ناحية المبدأ فلم تكن بعد قد نزلت شرائع ! - وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع ; وحين واجهوا الحاجات الحقيقية لحياتهم هم استنبطت بقية أحكام الفقه , إلى جانب ما ورد بنصه في الكتاب والسنة . .
وهذا هو الطريق وحده ; وليس هنالك طريق آخر . .
وليت هنالك طريقا سهلا عن طريق تحول الجماهير بجملتها إلى الإسلام منذ أول وهلة في الدعوة باللسان , وببيان أحكام الإسلام !
ولكن هذه إنما هي"الأماني"!
فالجماهير لا تتحول أبدا من الجاهلية وعبادة الطواغيت , إلى الإسلام وعبادة الله وحده إلا عن ذلك الطريق الطويل البطيء الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة . .
والذي يبدؤه فرد , ثم تتبعه طليعة , ثم تتحرك هذه الطليعة في وجه الجاهلية لتعاني ما تعاني حتى يحكم الله بينها وبين قومها بالحق ويمكن لها في الأرض . . ثم . .
يدخل الناس في دين الله أفواجا . .
ودين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي لا يرضى من الناس دينا غيره: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) . .
ولعل هذا البيان أن يكشف لنا عن حقيقة الحكم في موقف يوسف - عليه السلام .
إنه لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية . كما أنه كان يرى أن الظروف تمكن له من أن يكون حاكما مطاعا لا خادما في وضع جاهلي . وكان الأمر كما توقع فتمكن بسيطرته من الدعوة لدينه ونشره في مصر في أيام حكمه . وقد توارى العزيز وتوارى الملك تماما . .
ثم نعود بعد هذا الاستطراد إلى صلب القصة وإلى صلب السياق . إن السياق لا يثبت أن الملك وافق . فكأنما يقول:إن الطلب تضمن الموافقة !
زيادة في تكريم يوسف , وإظهار مكانته عند الملك . فيكفي أن يقول ليجاب , بل ليكون قوله هو الجواب . . ومن ثم يحذف رد الملك , ويدع القاريء يفهم أنه أصبح في المكان الذي طلبه .