فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 2003

أَمْ عِنْدَهُم اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الذِي فِيهِ أَنْبَاءُ الغَيْبِ ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ فِيهِ مَا يُرِيدُونَ مِنَ الحُجَجِ التِي تَدْعَمُ صِحّةَ قَوْلِهِمْ ، وَيُخَاصِمُونَكَ فِيمَا يَكْتُبُونَ فِيهِ ، وَيَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ الاسْتِجَابَةِ لَكَ .

فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَذَى قَوْمِكَ ، وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ ، فَإِنَّ اللهَ سَيَحْكُمُ لَكَ ، وَسَيَجْعَلُ العَاقِبَةَ لَكَ وَلأَتْبَاعِكَ ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَلاَ تَكُنْ كَنَبِيِّ اللهِ يُونُسَ ، عَلَيهِ السَّلاَمُ ( صَاحِبِ الحُوتِ ) حِينَ ذَهَبَ مُغَاضِبًا قَوْمَهُ فَرَكِبَ السَّفِينَةَ ، ثُمَّ اقْتَرَعَ أَهْلُ السَّفِينَةِ فَأْلْقِيَ فِي البَحْرِ ، فَالتَقَمَهُ الحُوتُ ، وَطَافَ بِهِ الحُوتُ أَرْجَاءَ المُحِيطَاتِ فَحِينِئذٍ نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ، وَهُوَ مُمْتَلِئٌ غَيْظًا مِنْ قَوْمِهِ إِذْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَهُ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الإِيمَانِ: لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ .

وَلَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَتْهُ رَحَمَةُ اللهِ تَعَالَى وَنِعْمَتُهُ ، بِتَوْفِيقِهِ لِلْتَّوْبَةِ ، وَقَبُولِهَا مِنْهُ ، لَطُرِحَ فِي الفَضَاءِ مِنْ بِطْنِ الحُوتِ ، وَهُوَ مَلُومٌ مَطْرُودٌ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالكَرَامَةِ .

وَلَكِنَّ نِعْمَةَ رَبِّهِ تَدَارَكَتْهُ ، فَاصْطَفَاهُ رَبُّهُ ، وََأَوْحَى إِليهِ ، وَجَعَلَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ العَامِلِينَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ .

وبذلك التعبير العجيب الموحي الرعيب: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) . .

وبالإعلان عن خطة المعركة والكشف عن سنة الحرب بين الله وأعدائه المخدوعين . .

بهذا وذلك يخلي الله النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين من المعركة بين الإيمان والكفر . وبين الحق والباطل . فهي معركته - سبحانه - وهي حربه التي يتولاها بذاته .

والأمر كذلك في حقيقته , مهما بدا أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين دورا في هذه الحرب أصيلا . إن دورهم حين ييسره الله لهم هو طرف من قدر الله في حربه مع أعدائه . فهم أداة يفعل الله بها أو لا يفعل . وهو في الحالين فعال لما يريد . وهو في الحالين يتولى المعركة بذاته وفق سنته التي يريد .

وهذا النص نزل والنبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة , والمؤمنون معه قلة لا تقدر على شيء . فكانت فيه الطمأنينة للمستضعفين , والفزع للمغترين بالقوة والجاه والمال والبنين . ثم تغيرت الأحوال والأوضاع في المدينة . وشاء الله أن يكون للرسول ومن معه من المؤمنين دور ظاهر في المعركة . ولكنه هنالك أكد لهم ذلك القول الذي قاله لهم وهم في مكة قلة مستضعفون . وقال لهم وهم منتصرون في بدر: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم , وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى , وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا , إن الله سميع عليم) . .

وذلك ليقر في قلوبهم هذه الحقيقة . حقيقة أن المعركة معركته هو سبحانه . وأن الحرب حربه هو سبحانه . وأن القضية قضيته هو سبحانه . وأنه حين يجعل لهم فيها دورا فإنما ذلك ليبليهم منه بلاء حسنا . وليكتب لهم بهذا البلاء أجرا . أما حقيقة الحرب فهو الذي يتولاها . وأما حقيقة النصر فهو الذي يكتبها . . وهو سبحانه يجريها بهم وبدونهم . وهم حين يخوضونها أداة لقدرته ليست هي الأداة الوحيدة في يده !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت