فلم يتلوموا ولم يندموا , ولم يشعروا بحقارة ما صنعوا وقذارة ما فعلوا . وهذا منتهى ما تصل إليه النفس من إسفاف وموت للضمير !
(وإذا رأوهم قالوا:إن هؤلاء لضالون) !
وهذه أعجب . . فليس أعجب من أن يتحدث هؤلاء الفجار المجرمون عن الهدى والضلال . وأن يزعموا حين يرون المؤمنين , أن المؤمنين ضالون . ويشيروا إليهم مؤكدين لهذا الوصف في تشهير وتحقير: (إن هؤلاء لضالون !) . .
والفجور لا يقف عند حد , ولا يستحيي من قول , ولا يتلوم من فعل . واتهام المؤمنين بأنهم ضالون حين يوجهه الفجار المجرمون , إنما يمثل الفجور في طبيعته التي هي تجاوز لجميع الحدود !
والقرآن لا يقف ليجادل عن الذين آمنوا , ولا ليناقش طبيعة الفرية . فهي كلمة فاجرة لا تستحق المناقشة . ولكنه يسخر سخرية عالية من القوم الذين يدسون أنوفهم فيما ليس من شأنهم , ويتطفلون بلا دعوة من أحد في هذا الأمر: (وما أرسلوا عليهم حافظين) . .
وما وكلوا بشأن هؤلاء المؤمنين , وما أقيموا عليهم رقباء , ولا كلفوا وزنهم وتقدير حالهم !
فما لهم هم وهذا الوصف وهذا التقرير !
وينهي بهذه السخرية العالية حكاية ما كان من الذين أجرموا في الدنيا . . ما كان . . ويطوي هذا المشهد الذي انتهى . ليعرض المشهد الحاضر والذين آمنوا في ذلك النعيم:
(فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون . على الأرائك ينظرون) . .
اليوم والكفار محجوبون عن ربهم , يقاسون ألم هذا الحجاب الذي تهدر معه إنسانيتهم , فيصلون الجحيم , مع الترذيل والتأنيب حين يقال: (هذا الذي كنتم به تكذبون) . .
اليوم والذين آمنوا على الأرائك ينظرون . في ذلك النعيم المقيم , وهم يتناولون الرحيق المختوم بالمسك الممزوج بالتسنيم . .
فاليوم . . الذين آمنوا من الكفار يضحكون . .
والقرآن يتوجه بالسخرية العالية مرة أخرى وهو يسأل: (هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ?) .
أجل ! هل ثوبوا ? هل وجدوا ثواب ما فعلوا ? وهم لم يجدوا (الثواب) المعروف من الكلمة . فنحن نشهدهم اللحظة في الجحيم !
ولكنهم من غير شك لاقوا جزاء ما فعلوا . فهو ثوابهم إذن . وياللسخرية الكامنة في كلمة الثواب في هذا المقام !
ونقف لحظة أمام هذا المشهد الذي يطيل القرآن عرض مناظره وحركاته - مشهد سخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا في الدنيا - كما أطال من قبل في عرض مشهد نعيم الأبرار وعرض مناظره ومناعمه . فنجد أن هذه الإطالة من الناحية التأثيرية فن عال في الأداء التعبيري , كما أنه فن عال في