3-المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ - وَلَمْ يَجِيءِ النَّهْيُ الصَّرِيحُ إلاَّ فِي المَرْحَلَةِ الثَّالِثَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ إلاَّ نَهْيًا جزْئِيًا عَنِ الرِّبا الفَاحِشِ الذِي يَتَزَايَدُ حَتَّى يَصِيرَ أضْعَافًا مُضَاعَفَةً .
{ يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً . } - المَرْحَلَةُ الرَابِعَةُ - وَفِي المَرْحَلَةِ الرَابِعَةِ وَالأخِيرَةِ خُتِمَ التَّشْرِيعُ القُرْآنِيُّ كُلُّهُ بِالنَّهِي الحَاسِمِ عَنْ كُلِ مَا يَزِيدُ عَلَى رَأسِ مَالِ الدَّيْنِ .
{ ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ . } وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ:"إيَّاكَ وَالذُّنوبَ التِي لاَ تُغْفَرُ: الغُلُولُ فَمَنْ غَلًّ شَيْئًا أَتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ والرِّبا ، فَمَنْ أكَلَ الرِّبا بُعِثَ يَوْمَ القِيَامَةِ مُجْنُونًا يُتَخَبَّطُ".
وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُحِبُّ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى ارتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَعَلَى تَحْلِيلِها ، وَلاَ يُحِبُّ الذِينَ لاَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِهِ .
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أنَّهُ يَمْحَقُ الرِّبا ، وَيُذْهِبُ مِنْ يَدِ آكِلِهِ بَرَكَةَ مَالِهِ ، وَيُهْلِكُ المَالَ الذِي دَخَلَ فِيهِ الرِّبا ، فَلاَ يَنْتَفِعُ بِهِ أحَدٌ مِنْ بَعْدِهِ ، وَأَنَّهُ يُضَاعِفُ ثَوَابَ الصَّدَقَاتِ ، وَيَزِيدُ المَالَ الذي أُخْرِجَتْ مِنْهُ ، وَيُعَاقِبُ آكِلَ الرِّبا يَوْمَ القِيَامَةِ . وَاللهُ لا يُحِبُّ الكَفُورَ المُتَمَادِي فِي كُفْرِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِ مِنْ مَالٍ ، لأنَّهُ لا يُنْفِقُ مِنْهُ فِي سَبيلِهِ ، وَلاَ يُحِبُّ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى تَحْليلِ المُحَرَّمَاتِ ، وَلاَ الذِينَ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى ارْتِكَابِها .
يَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنيِنَ المُصَدِّقِينَ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ ، المُقِيمِينَ الصَّلاَةَ ، وَعَامِلِي الصَّالِحَاتِ وَالمُزَكِّينَ ، وَيُخْبرُ عَنْهُمْ أنَّهُ يَحْفَظُ لَهُمْ أَجْرَهُمْ ، وَأَنَّهُمْ لاَ خَوْفَ عَلَيهِمْ ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ فِي الدُّنيا.
يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ ، المُصَدِّقِينَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، بِالتَّقْوى ، فَيَقُولُ لَهُمْ: اتَّقُوا اللهَ وَاتْرُكُوا مَا لَكُمْ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الرِّبا ( أَيْ مَا يَزيدُ عَلَى رُؤُوسِ أَمْوالِكُمْ ) إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا بِمَا شَرَعَ اللهُ لَكُمْ مِنْ تَحْلِيلِ البَيْعِ ، وَتَحْرِيمِ الرِّبا ، وَغَيْرَ ذَلِكَ .
وَأنْذَرَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ لاَ يَمْتَثِلُونَ لأَمْرِهِ مِنْ تَرْكِ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا عِنْدَ النَّاسِ ، بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ لخُرُوجِهِمْ عَنِ الشَّرْعِ ، وَعَدَمِ خَضُوعِهِمْ لَهُ ، فَإنْ تَابُوا فَلَهُمْ رُؤُوسُ أمْوَالِهِمْ بِدُونِ زِيَادَةٍ ، لاَ يَظْلِمُونَ بِأخْذِ زِيادَةٍ ، وَلاَ يُظْلَمُونَ بِوَضْعِ شَيءٍ مِنْ رَأسِ المَالِ .
فَإنْ كَانَ المَدِينُ مُعْسِرًا لاَ يَجِدُ وَفَاءَ دَيْنِهِ ، فَإنَّ اللهَ يَأمُرُ الدَّائِنَ بِنَظِرَتِهِ إلى حِينِ مَيْسَرَتِهِ ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِ مَا عَلَيهِ . وَإِنْ تَصَدَّقَ الدَّائِنُ عَلَى المَدِينِ المُعْسِرِ بِشَيءٍ مِنْ رَأسِ المَالِ ، أوْ بِرَأسِ المَالِ كُلِّهِ ، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ . وَقَدْ وَرَدَتْ أحَادِيثُ كَثِيرةٌ فِي الحَثِّ عَلَى تَنْفِيسِ كُرْبَةِ المُكْرُوبِ وَالتَّجَاوُزِ عَنِ المُعْسِرِ ..
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا صَلَّى صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ « مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا » . قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا ، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا ، فَقَالَ « هَلْ رَأَى