الصف خلل , ولا في بنائه دخل . . وبتعبير مختصر يقتضي أن تكون طبيعة هذه الأمة من العظمة بحيث تسامي عظمة الدور الذي قدره الله لها في هذه الأرض ; وتسامي المكانة التي أعدها الله لها في الآخرة . .
وكل هذا يقتضي أن يصهر الصف ليخرج منه الخبث . وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة . وأن تسلط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر . . ومن ثم كان شأن الله - سبحانه - أن يميز الخبيث من الطيب , ولم يكن شأنه أن يذر المؤمنين على ما كانوا عليه قبل هذه الرجة العظيمة !
كذلك ما كان من شأن الله - سبحانه - أن يطلع البشر على الغيب , الذي استأثر به , فهم ليسوا مهيئين بطبيعتهم التي فطرهم عليها للاطلاع على الغيب , وجهازهم البشري الذي أعطاه الله لهم ليس"مصمما"على أساس استقبال هذا الغيب إلا بمقدار . وهو مصمم هكذا بحكمة . مصمم لأداء وظيفة الخلافة في الأرض . وهي لا تحتاج للاطلاع على الغيب . ولو فتح الجهاز الإنساني على الغيب لتحطم . لأنه ليس معدا لاستقباله إلا بالمقدار الذي يصل روحه بخالقه , ويصل كيانه بكيان هذا الكون . وأبسط ما يقع له حين يعلم مصائره كلها , ألا يحرك يدا ولا رجلا في عمارة الأرض , أو أن يظل قلقا مشغولا بهذه المصائر , بحيث لا تبقى فيه بقية لعمارة الأرض !
من أجل ذلك لم يكن من شأن الله سبحانه , ولا من مقتضى حكمته , ولا من مجرى سنته أن يطلع الناس على الغيب .
إذن كيف يميز الله الخبيث من الطيب ? وكيف يحقق شأنه وسنته في تطهير الصف المسلم , وتجريده من الغبش , وتمحيصه من النفاق , وإعداده للدور الكوني العظيم , الذي أخرج الأمة المسلمة لتنهض به ?
(ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) . . وعن طريق الرسالة , وعن طريق الإيمان بها أو الكفر , وعن طريق جهاد الرسل في تحقيق مقتضى الرسالة , وعن طريق الابتلاء لأصحابهم في طريق الجهاد . . عن طريق هذا كله يتم شأن الله , وتتحقق سنته , ويميز الله الخبيث من الطيب , ويمحص القلوب , ويطهر النفوس . . ويكون من قدر الله ما يكون . .
وهكذا يرفع الستار عن جانب من حكمة الله , وهي تتحقق في الحياة ; وهكذا تستقر هذه الحقيقة على أرض صلبة مكشوفة منيرة . .
وامام مشهد الحقيقة متجلية بسيطة مريحة , يتجه إلى الذين آمنوا ليحققوا في ذواتهم مدلول الإيمان ومقتضاه , ويلوح لهم بفضل الله العظيم , الذي ينتظر المؤمنين .
(فآمنوا بالله ورسله . وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم) . .
فيكون هذا التوجيه وهذا الترغيب , بعد ذلك البيان وذلك الاطمئنان , خير خاتمة لاستعراض الأحداث في"أحد"والتعقيب على هذه الأحداث . .
ــــــــــــــ