فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 2003

فَاعْتَذَرُوا عَنْ دُخُولِ البَلَدِ بِأَنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ ذَوي خِلَقٍ هَائِلَةٍ ، وَأَجْسَامٍ ضَخْمَةٍ ، وَقُوى شَدِيدةٍ ، وَأنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى قِتَالِهِمْ ، وَلاَ يُمْكِنُهُمُ الدُّخُولُ إِلَيْهَا ، مَا دَامَ الجَبَّارُونَ فِيهَا ، فَإِنْ خَرَجُوا مِنْهَا ، دَخَلَها قَوْمُ مُوْسَى ، وَإلاَّ فَإِنَّهُمْ لاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِقِتَالِ الجَبَّارِينَ .

فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إسْرَائِيلَ عَنْ إِطَاعَةِ أمْرِ رَبِّهِمْ ، وَمُتَابَعَةِ مُوسَى ، حَرَّضَهُمْ رَجُلاَنِ ، للهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ اللهُ وَيَخْشَى عِقَابَهُ ، فَقَالاَ لِقَوْمِهِمَا: إنْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ ، وَتَبِعْتُمْ أمْرَهُ ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ ، نَصَرَكُمْ رَبُّكُمْ عَلى أعْدَائِكُمْ ، وَأيَّدَكُمْ وَأظْفَرَكُمْ بِهِمْ ، وَدَخَلْتُمُ البَلَدَ الذِي كَتَبَ اللهُ لَكُمُ السُّكْنَى فِيها ، فَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ هذا القَوْلُ شَيئًا .

وَلَكِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَصَرُّوا عَلَى النُّكُولِ عَنِ الجِهَادِ ، وَعَلَى مُخَالَفَةِ رَسُولِهِمْ ، فَقَالوُا لَهُ: إنَّهُمْ لَنْ يَدْخُلُوا البَلَدَ مَا دَامَ الجَبَّارُونَ مُقِيمِينَ فِيهَا ، فَإِذا أصَرَّ مُوسَى عَلَى الجِهَادِ فَلْيَذْهَبْ هُوَ وَرَبُّهُ فَلْيُقَاتِلاَ الجَبَّارِينَ ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ نَتِيجَةَ المَعْرَكَةِ قَاعِدِينَ ، حَيْثُ هُمْ يُقِيمُونَ .

فَلَمَّا نَكَلُوا عَنِ القِتَالِ ، غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى ، وَاتَّجَهَ إلى اللهِ بِالدُّعَاءِ ، فَقَالَ: يَا رَبِّ لَيْسَ بَيْنَ هَؤُلاءِ مَنْ يُطِيعُنِي وَيُجِيبُنِي إلى تَنْفِيذِ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ إلاَّ نَفْسِي وَأَخِي هَارُونَ ، فَاقْضِ يَا رَبِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلاءِ القَوْمِ ، الخَارِجِينَ عَلَى طَاعَتِكَ ( الفَاسِقِينَ ) ، بِقَضَاءِ تَقْضِيهِ بَيْنَنَا ، فَتَحْكُمَ لَنَا بِمَا نَسْتَحِقُّ ، وَتَحْكُمَ لَهُمْ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ

( وَقِيلَ إنَّ المَعْنَى هُوَ: إنَّكَ إذَا أَخَذْتَهُمْ بِالعِقَابِ عَلَى فِسْقِهِمْ ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِكِ ، فَلا تُعَاقِبْنا مَعَهُمْ ) .

فَلَمَّا دَعَا مُوسَى عَلَيهِم ، حِينَ نَكَلُوا عَنِ الجِهَادِ ، قَضَى اللهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ حَرَّمَ عَلَيهِمْ دُخُولَها أربعينَ سَنَةً ، يَتِيهُونَ خِلاَلَهَا فِي الأَرْضِ ( أيْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ ) ، وَيَبْقَوْنَ مُتَحَيِّرِينَ مُتَرَدِّدينَ ، لاَ يَدْرُونَ مَصِيرَهُمْ ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إلى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ ، خِلاَلَ المُدَّةِ التِي قَضَاهَا . اللهُ عَلَيْهِمْ .وَخِلاَلَ وُجُودِهِمْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ تُوُفِّيَ مُوسَى وَهَارُونُ ، عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ، وَتَوَلَّى قِيَادَةَ بَني إسْرَائِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ( وَهُوَ مِنْ نَسْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ) وَجَعَلَهُ الله نَبِيًّا فِيهِمْ ، وَتُوُفِّيَ أكْثَرُ الجِيلِ القَدِيمِ ، وَنَشَأ فِي الصَّحْرَاءِ وَالحُرِّيَّةِ جِيلٌ جَدِيدٌ . فَلَمَّا انْقَضَتِ المُدَّةُ التِي قَضَاهَا اللهُ عَلَيهِمْ ، خَرَجَ بِهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، وَتَوَجَّهَ بِهِمْ إلى إحْدَى المُدُنِ فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَها .ثُمَّ سَلَّى اللهُ نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ: لاَ تَأسَفْ عَلَيْهِمْ ، وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَضَيْتُ عَلَيْهِمْ ، فَإنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ .وَهَذِهِ القِصَّةُ تَتَضَمَّنُ تَقْرِيعًا لِليَهُودِ ، وَبَيانًا لِفَضَائِحِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ أمْرَ رَبِّهِمْ وَأمْرَ رَسُولِهِ ، ونكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا

إنها حلقة من قصة بني إسرائيل التي فصلها القرآن أوسع تفصيل . . ذلك لحكمة متشعبة الجوانب .

من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها . فقد كانوا حربًا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول . هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة؛ وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معًا . وهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت