فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 2003

خاسرين . .وإننا لنلمح في كلمات موسى - عليه السلام - إشفاقه من تردد القوم ونكوصهم على الأعقاب . فلقد جربهم من قبل في « مواطن كثيرة » في خط سير الرحلة الطويل . . جربهم وقد أخرجهم من أرض مصر؛ وحررهم من الذل والهوان ، باسم الله وبسلطان الله الذي فرق لهم البحر ، وأغرق لهم فرعون وجنده . فإذا هم يمرون على قوم يعكفون على أصنام لهم . فيقولون { يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة } . . وما يكاد يغيب عنهم في ميقاته مع ربه حتى يتخذ السامري من الحلي التي سرقوها معهم من نساء المصريين عجلًا ذهبا له خوار؛ ثم إذا هم عاكفون عليه يقولون: إنه إله موسى الذي ذهب لميقاته! . . وجربهم وقد فجر لهم من الصخر ينابيع في جوف الصحراء ، وأنزل عليهم المن والسلوى طعامًا سائغًا ، فإذا هم يشتهون ما اعتادوا من أطعمة مصر - أرض الذل بالنسبة لهم - فيطلبون بقلها وقثاءها وفومها وعدسها وبصلها ، ولا يصبرون عما ألفوا من طعام وحياة في سبيل العزة والخلاص ، والهدف الأسمى ، الذي يسوقهم موسى إليه وهم يتسكعون! .

.وجربهم في قصة البقرة التي أمروا بذبحها فتلكأوا وتسكعوا في الطاعة والتنفيذ . . { فذبحوها وما كادوا يفعلون } ! وجربهم وقد عاد من ميقات ربه ومعه الألواح وفيها ميثاق الله عليهم وعهده . فأبوا أن يعطوا الميثاق وأن يمضوا العهد مع ربهم - بعد كل هذه الآلاء وكل هذه المغفرة للخطايا - ولم يعطوا الميثاق حتى وجدوا الجبل منتوقًا فوق رؤوسهم ، { وظنوا أنه واقع بهم } لقد جربهم في مواطن كثيرة طوال الطريق الطويل . . ثم ها هو ذا معهم على أبواب الأرض المقدسة . أرض الميعاد التي من أجلها خرجوا . الأرض التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكًا ، وأن يبعث من بينهم الأنبياء فيها ليظلوا في رعاية الله وقيادته . .لقد جربهم فحق له أن يشفق ، وهو يدعوهم دعوته الأخيرة ، فيحشد فيها ألمع الذكريات؛ وأكبر البشريات ، وأضخم المشجعات وأشد التحذيرات: { يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم . إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا ، وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين . يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين } . نعمة الله . ووعده الواقع من أن يجعل فيهم أنبياء ويجعلهم ملوكًا . وإيتاءه لهم بهذا وذلك ما لم يؤت أحدًا من العالمين حتى ذلك التاريخ . والأرض المقدسة التي هم مقدمون عليها مكتوبة لهم بوعد الله . فهي إذن يقين . . وقد رأوا من قبل كيف صدقهم الله وعده . وهذا وعده الذي هم عليه قادمون . . والارتداد على الأدبار هو الخسران المبين . .ولكن إسرائيل . ، هي إسرائيل!!! الجبن . والتمحل . والنكوص على الأعقاب . ونقض الميثاق: { قالوا: يا موسى إن فيها قومًا جبارين؛ وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } .إن جبلة يهود لتبدو هنا على حقيقتها ، مكشوفة بلا حجاب ولو رقيق من التجمل . ذلك أنهم أمام الخطر؛ فلا بقية إذن من تجمل؛ ولا محاولة إذن للتشجع ، ولا مجال كذلك للتمحل . إن الخطر ماثل قريب؛ ومن ثم لا يعصمهم منه حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت