فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 2003

وهذا أمر آخر غير أن ينافح جماعة من المسلمين عن المنافقين . لأنهم قالوا كلامًا كالذي يقوله المسلمون . وأدَّوا بألسنتهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله . بينما هم يظاهرون أعداء المسلمين!

من أجل هذا التميع في فهم فئة من المسلمين ، ومن أجل ذلك الاختلاف في شأن المنافقين في الصف المسلم ، كان هذا الاستنكار الشديد في مطلع الآية .

.ثم تبعه الإيضاح الإلهي لحقيقة موقف هؤلاء المنافقين: { والله أركسهم بما كسبوا } . .

ما لكم فئتين في شأن المنافقين . والله أوقعهم فيما هم فيه بسبب سوء نيتهم وسوء عملهم؟ وهي شهادة من الله حاسمة في أمرهم . بأنهم واقعون في السوء بما أضمروا وبما عملوا من سوء .

ثم استنكار آخر: { أتريدون أن تهدوا من أضل الله؟ } . .

ولعله كان في قول الفريق . . المتسامح!! . . ما يشير إلى إعطائهم فرصة ليهتدوا ، ويتركوا اللجلجة! فاستنكر الله هذا في شأن قوم استحقوا أن يوقعهم الله في شر أعمالهم وسوء مكاسبهم .

{ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا } . .

فإنما يضل الله الضالين . أي يمد لهم في الضلالة حين يتجهون هم بجهدهم ونيتهم إلى الضلالة . وعندئذ تغلق في وجوههم سبل الهداية؛ بما بعدوا عنها ، وسلكوا غير طريقها؛ ونبذوا العون والهدى ، وتنكروا لمعالم الطريق!

ثم يخطو السياق خطوة أخرى في كشف موقف المنافقين . . إنهم لم يضلوا أنفسهم فحسب؛ ولم يستحقوا أن يوقعهم الله في الضلالة بسعيهم ونيتهم فحسب . . إنما هم كذلك يبتغون إضلال المؤمنين: { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } . .

إنهم قد كفروا . . على الرغم من أنهم تكلموا بما تكلم به المسلمون ، ونطقوا بالشهادتين نطقًا يكذبه العمل في مظاهرة أعداء المسلمين . . وهم لا يريدون أن يقفوا عند هذا الحد . فالذي يكفر لا يستريح لوجود الإيمان في الأرض ووجود المؤمنين . ولا بد له من عمل وسعي ، ولا بد له من جهد وكيد لرد المسلمين إلى الكفر . ليكونوا كلهم سواء .

هذا هو الإيضاح الأول لحقيقة موقف أولئك المنافقين . . وهو يحمل البيان الذي يرفع التميع في تصور الإيمان؛ ويقيمه على أساس واضح من القول والعمل متطابقين . وإلا فلا عبرة بكلمات اللسان ، وحولها هذه القرائن التي تشهد بالكذب والنفاق:

والقرآن يلمس مشاعر المؤمنين لمسة قوية مفزعة لهم ، وهو يقول لهم: { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } . .

فقد كانوا حديثي عهد بتذوق حلاوة الإيمان بعد مرارة الكفر . وبالنقلة الضخمة التي يجدونها في أنفسهم ، بين مشاعرهم ومستواهم ومجتمعهم في الجاهلية . . ثم في الإسلام . وكان الفرق واضحًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت