فهرس الكتاب

الصفحة 637 من 2003

اُسْتُرْحِمُوا وَلَا يَعْطِفُونَ إنْ اُسْتُعْطِفُوا وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ أَعْمَالُ الرّعَايَا ظَهَرَتْ فِي صُوَرِ وُلَاتِهِمْ جَائِرِينَ وَتَارَةً بِأَمْرَاضٍ عَامّةٍ وَتَارَةً بِهُمُومٍ وَآلَامٍ وَغُمُومٍ تُحْضِرُهَا نُفُوسُهُمْ لَا يَنْفَكّونَ عَنْهَا وَتَارَةً بِمَنْعِ بَرَكَاتِ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَنْهُمْ وَتَارَةً بِتَسْلِيطِ الشّيَاطِينِ عَلَيْهِمْ تَؤُزّهُمْ إلَى أَسْبَابِ الْعَذَابِ أَزّا لِتَحِقّ عَلَيْهِمْ الْكَلِمَةُ وَلِيَصِيرَ كُلّ مِنْهُمْ إلَى مَا خُلِقَ لَهُ وَالْعَاقِلُ يُسَيّرُ بَصِيرَتَهُ بَيْنَ أَقْطَارِ الْعَالَمِ فَيُشَاهِدُهُ وَيَنْظُرُ مَوَاقِعَ عَدْلِ اللّهِ وَحِكْمَتِهِ وَحِينَئِذٍ يَتَبَيّنُ لَهُ أَنّ الرّسُلَ وَأَتْبَاعَهُمْ خَاصّةً عَلَى سَبِيلِ النّجَاةِ وَسَائِرُ الْخَلْقِ عَلَى سَبِيلِ الْهَلَاكِ سَائِرُونَ وَإِلَى دَارِ الْبَوَارِ صَائِرُونَ وَاَللّهُ بَالِغٌ أَمْرَهُ لَا مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا رَادّ لِأَمْرِهِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ [1] .

لا ينجو من عذاب الله إلا الذين كانوا ينهون عن الفساد

قال تعالى: { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (117) سورة هود

لَقَدْ كَانَ مِنَ الوَاجِبِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ التِي أَهْلَكَهَا اللهُ بِظُلْمِهَا ، جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أُولُو عَقْلٍ ، وَرَأيٍ ، وَصَلاحٍ ، يَنْهَوْنَ المُفْسِدِينَ عَنِ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ ، وَيَأخُذُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ لِكَيْلاَ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ ، لأَنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ أَنْ لاَ يُهْلِكَ قَوْمًا إِلاَّ إِذَا عَمَّ الفَسَادُ وَالظُّلْمُ أَكْثَرَهُمْ . وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَؤُلاَءِ الأَقْوَامِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ قِلَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَكْثَرَهُمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ الذِينَ لاَ يُؤْخَذُ بِرَأْيهِمْ ، وَلاَ تُسْمَعُ كَلِمَتُهُمْ ، وَلا يُقْبَلُ أَمْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ . أَمَّا الأَكْثَرُونَ فَكَانُوا مِنَ الظَّالِمِينَ المُسْتَكْبِرِينَ المُعَانِدِينَ ، فَأَصَرُّوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَاتَّبَعُوا حَيَاةَ التَّرَفِ وَالفَسَادِ ، فَحَالَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الانْتِفَاعِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ ، فَبَطَرُوا وَاسْتَكْبَرُوا ، وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ، وَقَدْ أَغْرَقُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الجَرَائِمِ التِي وَلَّدَهَا النَّعِيمُ وَالتَّرَفُ ، وَاسْتَسْلَمُوا لَهَا ، وَلِذَلِكَ رَجَّحُوا مَا أَتَوا بِهِ عَلى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ وَطَاعَةِ اللهِ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ . لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى ، وَلاَ مِنْ عَدْلِهِ فِي خَلْقِهِ ، أَنْ يُهْلِكَ القُرَى بِشِرْكِ أَهْلِهَا ، مَا دَامُوا مُصْلِحِينَ فِي أَعْمَالِهِم الاجْتِمَاعِيَّةِ ، وَالعُمْرَانِيَّةِ وَالمَدَنِيَّةِ ، فَلاَ يَبْخَسُونَ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ ، وَلاَ يَبْطِشُونَ بِالنَّاسِ ، وَلاَ يُذِلُّونَ لِمُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ كَقَوْمِ فِرْعَوْنَ ، وَلاَ يَرْتَكِبُونَ الفَوَاحِشَ وَلاَ يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ، وَلاَ يَأْتُونَ فِي نَادِيهِمُ المُنْكَرَ ، بَلْ لاَ بُدَّ لَهُمْ ، لِيَحِقَّ عَلَيْهِمُ العَذَابَ وَالهَلاَكَ ، مِنْ أَنْ يَجْمَعُوا إِلى الشِّرْكِ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ ، وَالاسَاءَةِ فِي الأَعْمَالِ وَالأَحْكَامِ ، وَأَنْ يَفْعَلُوا الظُّلْمََ المُدَمِّرَ لِلْعُمْرَانِ .

(1) - زاد المعاد - (ج 4 / ص 329)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت