وقارون كان من قوم موسى فبغى عليهم بثروته وعلمه ، ولم يستمع نصح الناصحين بالإحسان والاعتدال والتواضع وعدم البغي والفساد . وفرعون كان طاغية غشومًا ، يرتكب أبشع الجرائم وأغلظها ، ويسخر الناس ويجعلهم شيعًا ، ويقتل ذكور بني إسرائيل ويستحيي نساءهم عتوًا وظلمًا . وهامان كان وزيره المدبر لمكائده ، المعين له على ظلمه وبطشه .
{ ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض } . .فلم يعصمهم الثراء والقوة والدهاء . لم تعصمهم من أخذ الله ، ولم تجعلهم ناجين ولا مفلتين من عذاب الله ، بل أدركهم وأخذهم كما سيجيء
{ وما كانوا سابقين } . هؤلاء الذين ملكوا القوة والمال وأسباب البقاء والغلبة ، قد أخذهم الله جميعًا . بعد ما فتنوا الناس وآذوهم طويلًا: { فكلًا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا . وما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} .
فعاد أخذهم حاصب وهو الريح الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم ، وثمود أخذتهم الصيحة . وقارون خسف به وبداره الأرض ، وفرعون وهامان غرقا في اليم وذهبوا جميعًا مأخوذين بظلمهم . { وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } . .
و قال تعالى: { وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6) [الأنعام/4-7] }
وَمَا تَنْزِلُ عَلَى المُشْرِكِينَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ تَلْفِتُ أَنْظَارَهُمْ إلى مَا أَبْدَعَهُ الخَالِقُ مِنْ صُنْعٍ فِي خَلْقِهِ هذا الكَوْنَ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَحدَانِيَّتِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ ، وَعَلى صِدْقِ مَا أَرْسَلَ بِهِ الأَنْبِياءَ ، إلاَّ أَعْرَضَ عَنْهَا هؤُلاءِ الكَفَرَةُ المُكَذِّبُونَ ، اسْتِهزاءً غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ مَعْنَأها ، وَلا مُتَفَكِّرِينَ فِي دَلاَلَتِها .وَبِسَبَبِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِي الآيَاتِ ، وَالتَّفْكُرِ فِيهَا ، فَقَدْ كَذَّبُوا بِدِينِ اللهِ الحَقِّ ، لَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَمْ يَتَرَيَّثُوا ، وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَهُدًى ، وَسَيَرَوْنَ عَاقِبَةَ التَّكْذِيبِ وَالاسْتِهْزاءِ ، حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ العُقُوبَاتُ العَاجِلَةُ ، التِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا الآيَاتُ: مَنْ نَصْرِ الرَّسُولِ ، وَإِظْهَارِ دِينِ اللهِ ، وَإِعْزَازِ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ . . .
يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى أَنْظَارَ الكُفَّارِ مِنْ قُرَيْشَ ، المُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَرُسُلِهِ ، إِلَى الأُمَمِ العَدِيدَةِ التِي كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ رُسُلَهَا ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ ، وَكَانَ تَعَالَى قَدْ مَكَّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ أَكْثَرَ مِمَّا مَكَّنَ لِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ ، وَأَمَدَّهُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ، وَجَعَلَهُمْ أَ: ْثَرَ قُوَّةً وَعِمَارَةً فِي الأَرْضِ مِنْ هؤُلاءِ ، وَجَعَلَ السَّمَاءَ