فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 2003

قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا ( 60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ( 61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ( 62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ( 63) } سورة النساء

يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَدِّعِي الإِيمَانَ بِاللهِ ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، وَهُوَ مَعْ ذَلِكَ يُرِيدُ أنْ يَتَحَاكَمَ فِي فَصْل ِالخُصُومَاتِ إلى غَيْرِ كِتَابِ اللهِ ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ .

( وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنْصَاريٍّ وَيَهُودِيٍّ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ مُحَمَّدٌ . وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ( وَهُوَ مِنْ كُبَرَاءِ اليَهُودِ ) . وَيَذُمُّ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يَعْدِلُونَ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ، إلَى مَا سِوَاهُمَا مِنَ البِاطِلِ ( وَهُوَ المُرَادٌ هُنَا بِالطَّاغُوتِ ) ، وَقَدْ أُمِرُوا بِأَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ، وَبِحُكْمِ الجَاهِلِيَّةِ ، وََلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُوهُمْ الى اتِّبَاعِهِ لِيُضِلَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَشَرْعِهِمْ وَهُدَى رَبِّهِمْ ، وَيُبْعِدَهُمْ عَنْهَا

وَإِذَا دُعِيَ هَؤُلاءِ - الذِينَ يَدَّعُونَ الإِيمَانَ ، ثُمَّ يُرِيدُونَ التَّحَاكُمَ إلى الطَّاغُوتِ - إلى رَسُولِ اللهِ لِلتَّحَاكُمِ لَدَيْهِ ، وِفْقًا لِمَا شَرَعَ اللهُ ، اسْتَكْبَرُوا وَأَعْرَضُوا وَرَغِبُوا عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللهِ إَعْرَاضًا مُتَعَمَّدًا مِنْهُمْ .

فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ إذَا سَاقَتْهُمُ المَقَادِيرُ إلَيكَ فِي مَصَائِبَ تَحِلُّ بِهِمْ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ، وَاحْتَاجُوا إِلَيْكَ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ جَاؤُوكَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكَ ، وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ أَنَّهُمْ مَا أَرَادُوا بِذَهَابِهِمْ إلى غَيْرِكَ ، وَبِتَحَاكُمِهِمْ إلَى أَعْدَائِكَ ، إلا المُدَارَاةَ وَالمُصَانَعَةَ ( إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ) ، لاَ اعْتِقَادًا مِنْهُمْ بِصِحَّةِ تِلْكَ الحُكُومَةِ .

وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ هُمُ المُنَافِقٌُونَ ، وَاللهُ وَحْدَهُ يَعْلَمُ مَبْلَغَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالحِقْدِ وَالكَيْدِ ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَإنَّهُ لاَ تَخْفَى عَلَيهِ مِنْهُمْ خَافِيةٌ . ثُمَّ يَدْعُو اللهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - إلى مُعَامَلَتِهِمْ:

-أَوْلًا: بِالإِعْرَاضِ عَنْهُمْ وَعَدَمِ الإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ بِالبَشَاشَةِ وَالتَّكْرِيمِ ، وَهَذَا النَّوعُ مِنَ المُعَامُلَةِ يُثِيرُ فِي نُفُوسِهِمُ الهَوَاجِسَ وَالشُّكُوكَ وَالظُّنُونَ .- ثُمَّ بِالنُّصْحِ وَالتَّذْكِيرِ بِالخَيْرِ ، عَلَى وَجْهٍ تَرِقُّ لَهُ قُلُوبُهُمْ ، وَيَبْعَثُهُمْ عَلَى التَّأمُّلِ فِيمَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ مِنَ العِظَاتِ .- ثُمَّ بِالقَوْلِ البَلِيغِ ، الذِي يُؤَثِّرُ فِي نُفُوسِهِمْ ، كَالتَّوَعُّدِ بِالقّتْلِ ، وَالاسْتِئْصَالِ إنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ نِفَاقٌ ، وَأنْ يُخْبِرَهُمْ أنَّ اللهَ عَالِمٌ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ ..

إن هذا التصوير لهذه المجموعة التي تصفها النصوص ، يوحي بأن هذا كان في أوائل العهد بالهجرة . يوم كان للنفاق صولة؛ وكان لليهود - الذين يتبادلون التعاون مع المنافقين - قوة . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت