فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 2003

السيادة لمكارم الأخلاق

وانشغال قريش بفعلة المرأة المخزومية هو دليل سيادة مكارم الأخلاق، وإلا ما حاولوا درء الحد عنها بالشفاعة:"من يكلم فيها رسول الله؟".. هذه الجملة استخلصها الراوي (عائشة رضي الله عنها) أصابت المعنى الذي ساقت من أجله الجمل والألفاظ، وخلَّصت المعاني مما لا حاجة إليه، وانتقت الكلام للمعنى المراد من بين ثنايا أقاويل كثيرة، وأوجزته من حوارات تشعَّبت وامتدت فيها ما يتعلق بالسياق، ومنها ما يُعدُّ حواشيَ حوله، فسكتت عما لا يخص ما أرادت تسليط الضوء عليه، وما فُهِمَ من فحوى الخطاب إشارةً.

والجملة الاستفهامية كشفت حيرة القوم وذهولهم واستحياءهم من فعلتها، فعجزوا عن إيجاد مدخل أو وسيلة يتواصلون بها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجين درء الحد.

وليس الاستفهام لاستبعاد أن يكلم أحدٌ رسول الله في هذا، وإلا ما جاء السياق"ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!"؛ فالجملة الثانية تدل على أنهم كانوا في حال بحث وتنقيب عن المناسب لمحادثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الأمر العظيم الذي داهمهم، والاستفهام الأول"من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟"يدل على استعظام المشكلة واستفحالها.

( يجترئ عليه: أي يجرؤ على مخاطبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا الأمر) .

من بلاغة السرد

والقصر في الجملة"ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله؟!"قصر إفراد مصحوب بوصفية تعليلية تفسيرية"حِبُّ رسول الله"؛ فيها حيثية ترشيح المخاطب؛ لمنزلته عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدى حب رسول الله له.

وهنا كلام مسكوت عنه؛ فالسياق طُوِيَت فيه جمل دلَّ عليها الخطاب:"فذهبوا إلى أسامة فأخبروه بالأمر ورجَوا منه أن يشفع عند رسول الله، وما زالوا به حتى قَبِل بعد تحرُّجٍ منه، ثم ذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلَّمه"، والربط بين الجمل (بالفاء) يدل على أن السياق جاء في نسق حدث واحد، وهو الشفاعة للمرأة المخزومية التي سرقت، وتعثُّر القوم في حل هذه المشكلة وعجزهم عن العثور عمن ينهض بالأمر.

مجتمع يظلله الالتزام

واللافت للانتباه أن الكثيرين لم يتقدموا للشفاعة امتثالًا لأمر الله، وتقدم حبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة؛ ليس جرأةً على حدود الله، حاشا لأسامة، ولكن ربما سوَّغ له أهلها أن الأمر يشترك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهي قد سرقت قطيفة من بيته - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، كما ورد في السِّيَر؛ ولعل هذا هو ما أطمعهم في عفو رسول الله؛ إذ الأمر يتعلق به شخصيًّا، لكنه - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ أن الأمر غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت