الجَمَاعَةِ التِي تَعَاقَدْتُمْ مَعَها ، تَحَالَفْتُمْ مَعَهُ ، وَحَنِثْتُمْ بِأَيْمَانِكُمْ التِي أَقْسَمْتُمُوهَا لِلجَمَاعَةِ الأُوْلَى ( أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ) .
وَاللهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالوَفَاءِ بِالعُهُودِ لِيَخْتَبِرَكُمْ وَيَمْتَحِنَكُمْ ، وَيَبْلُوَ إِيمَانَكُمْ ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُبَيِّنُ لَكُمْ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ .
والوفاء بعهد الله يشمل بيعة المسلمين للرسول - صلى الله عليه وسلم - ويشمل كل عهد على معروف يأمر به الله . والوفاء بالعهود هو الضمان لبقاء عنصر الثقة في التعامل بين الناس ، وبدون هذه الثقة لا يقوم مجتمع ، ولا تقوم إنسانية . والنص يخجل المتعاهدين أن ينقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله كفيلًا عليهم ، وأشهدوه عهدهم ، وجعلوه كافلًا للوفاء بها . ثم يهددهم خفيًا { إن الله يعلم ما تفعلون }
وقد تشدد الإسلام في مسألة الوفاء بالعهود فلم يتسامح فيها أبدًا ، لأنها قاعدة الثقة التي ينفرط بدونها عقد الجماعة ويتهدم ، والنصوص القرآنية هنا لا تقف عند حد الأمر بالوفاء والنهي عن النقض إنما تستطرد لضرب الأمثال ، وتقبيح نكث العهد ، ونفي الأسباب التي قد يتخذها بعضهم مبررات: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا تتخذون أيمانكم دخلًا بينكم ، أن تكون أمة هي أربى من أمة .إنما يبلوكم الله به . وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } .فمثل من ينقض العهد مثل امرأة حمقاء ملتاثة ضعيفة العزم والرأي ، تفتل غزلها ثم تنقضه وتتركه مرة أخرى قطعًا منكوثة ومحلولة! وكل جزئية من جزيئات التشبيه تشي بالتحقير والترذيل والتعجب . وتشوه الأمر في النفوس وتقبحه في القلوب . وهو المقصود . وما يرضى إنسان كريم لنفسه أن يكون مثله كمثل هذه المرأة الضعيفة الإرادة الملتاثة العقل ، التي تقضي حياتها فيما لا غناء فيه!
وكان بعضهم يبرر لنفسه نقض عهده مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن محمدًا ومن معه قلة ضعيفة ، بينما قريش كثرة قوية . فنبههم إلى أن هذا ليس مبررًا لأن يتخذوا أقسامهم غشًا وخديعة فيتخلوا عنها: { تتخذون أيمانكم دخلًا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة } أي بسبب كون أمة أكثر عددًا وقوة من أمة . وطلبًا للمصلحة مع الأمة الأربى
ويدخل في مدلول النص أن يكون نقض العهد تحقيقًا لما يسمى الآن « مصلحة الدولة » فتعقد دولة معاهدة مع دولة أو مجموعة دول ، ثم تنقضها بسبب أن هناك دولة أربى أو مجموعة دول أربى في الصف الآخر ، تحقيقًا « لمصلحة الدولة » ! فالإسلام لا يقر مثل هذا المبرر ، ويجزم بالوفاء بالعهد ، وعدم اتخاذ الأيمان ذريعة للغش والدخل . ذلك في مقابل أنه لا يقر تعاهدًا ولا تعاونًا على غير البر والتقوى . ولا يسمح بقيام تعاهد أو تعاون على الإثم والفسوق والعصيان ، وأكل حقوق الناس ، واستغلال الدول والشعوب . . وعلى هذا الأساس قام بناء الجماعة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية فنعم العالم بالطمأنينة والثقة والنظافة في المعاملات الفردية والدولية يوم كانت قيادة البشرية إلى الإسلام .