فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 2003

على العرب ; تصور مدى النقلة التي كان المنهج الإسلامي الرباني ينقلهم إليها من جاهليتهم إلى هذا المستوى من الوعي والفكر والنظر والمعرفة .

لقد كانوا يسيرون في الأرض , ويتنقلون في أرجائها للتجارة والعيش , وما يتعلق بالعيش من صيد ورعي . . أما أن يسيروا وفق منهج معرفي تربوي . . فهذا كان جديدا عليهم . وكان هذا المنهج الجديد يأخذهم به ; وهو يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية , في الطريق الصاعد , إلى القمة السامقة التي بلغوا إليها في النهاية .

ولقد كان تفسير التاريخ الإنساني وفق قواعد منهجية كهذة التي كان القرآن يوجه إليها العرب ; ووفق سنن مطردة تتحقق آثارها كلما تحققت أسبابها - بإذن الله - ويستطيع الناس ملاحظتها ; وبناء تصوراتهم للمقدمات والنتائج عليها ; ومعرفة مراحلها وأطوارها . . كان هذا المنهج برمته في تفسير التاريخ شيئا جديدا على العقل البشري كله في ذلك الزمان . إذ كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار , مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس ; لا يربط بينها منهج تحليلي أو تكويني يحدد الترابط بين الأحداث , كما يحدد الترابط بين المقدمات والنتائج , وبين المراحل والأطوار . . فجاء المنهج القرآني ينقل البشرية إلى هذا الأفق ; ويشرع لهم منهج النظر في أحداث التاريخ الإنساني . وهذا المنهج ليس مرحلة في طرائق الفكر والمعرفة . إنما هو"المنهج". . هو الذي يملك وحده إعطاء التفسير الصحيح للتاريخ الإنساني .والذين يأخذهم الدهش والعجب للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية , وهي فترة لا تكفي إطلاقا لحدوث تطور فجائي في الأوضاع الاقتصادية , سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب , لو أنهم حولوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية ; ليبحثوا عن السر في هذا المنهج الرباني الجديد , الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله العليم الخبير . . ففي هذا المنهج تكمن المعجزة , وفي هذا المنهج يكمن السر الذي يبحثون عنه طويلا عند الإله الزائف الذي أقامته المادية حديثا . . إله الاقتصاد . .

وإلا فأين هو التحول الاقتصادي المفاجئ في الجزيرة العربية ; الذي ينشى ء من التصورات الاعتقادية ونظام الحكم , ومناهج الفكر , وقيم الأخلاق , وآماد المعرفة , وأوضاع المجتمع , كل هذا الذي نشأ في ربع قرن من الزمان ?!

إن هذه اللفتة: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) .إلى جانب اللفتة التي جاءت في صدر هذه الموجة من قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم , وأرسلنا السماء عليهم مدرارا , وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم , فأهلكناهم بذنوبهم , وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) . .إلى جانب أمثالها في هذه السورة وفي القرآن كله لتؤلف جانبا من منهج جديد جدة كاملة على الفكر البشري . وهو منهج باق . ومنهج كذلك فريد

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت