يخبئون في قلوبهم خبيئة , ويتخذون من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة , يلجون منها إلى مصالحهم وروابطهم مع المشركين , في ظل العلاقات غير المتميزة أو الواضحة بين المعسكرات المختلفة: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة , والله خبير بما تعملون) .
لقد كان في المجتمع المسلم - كما هو الحال عادة - فئة تجيد المداورة , وتنفذ من الأسوار . وتتقن استخدام الأعذار . وتدور من خلف الجماعة , وتتصل بخصومها استجلابا للمصلحة ولو على حساب الجماعة , مرتكنة إلى ميوعة العلاقات ووجود ثغرات في المفاصلة بين المعسكرات . فإذا وضحت المفاصلة وأعلنت قطعت الطريق على تلك الفئة , وكشفت المداخل والمسارب للأنظار .
وإنه لمن مصلحة الجماعة , ومن مصلحة العقيدة , أن تهتك الأستار وتكشف الولائج , وتعرف المداخل , فيمتاز المكافحون المخلصون , ويكشف المداورون الملتوون , ويعرف الناس كلا الفريقين على حقيقته , وإن كان الله يعلمهم من قبل: (والله خبير بما تعملون) . .
ولكنه سبحانه يحاسب الناس على ما يتكشف من حقيقتهم بفعلهم وسلوكهم . وكذلك جرت سنته بالابتلاء لينكشف الخبيء وتتميز الصفوف , وتتمحص القلوب . ولا يكون ذلك كما يكون بالشدائد والتكاليف والمحن والابتلاءات .
ثم لمسة للمشاعر بالذكرى , وباستعراض صفحة من الواقع الذي عاشه المسلمون إذ ذاك منذ قريب . . المواطن التي نصرهم الله فيها , ولم تكن لهم قوة ولا عدة . ويوم حنين الذي هزموا فيه بكثرتهم ثم نصرهم الله بقوته . يوم أن انضم إلى جيش الفتح ألفان فقط من الطلقاء ! يوم أن غفلت قلوب المسلمين لحظات عن الله مأخوذة بالكثرة في العدد والعتاد . ليعلم المؤمنون أن التجرد لله , وتوثيق الصلة به هي عدة النصر التي لا تخذلهم حين تخذلهم الكثرة في العدد والعتاد ; وحين يخذلهم المال والإخوان والأولاد: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة , ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا , وضاقت عليكم الأرض بما رحبت , ثم وليتم مدبرين ; ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين , وأنزل جنودا لم تروها , وعذب الذين كفروا , وبذلك جزاء الكافرين . ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء , والله غفور رحيم . ولقد كان نصر الله لهم في المواطن الكثيرة قريبا من ذاكرتهم لا يحتاج إلى أكثر من الإشارة . فأما وقعة حنين فكانت بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة . وذلك لما فرغ - صلى الله عليه وسلم - من فتح مكة , وتمهدت أمورها , وأسلم عامة أهلها , وأطلقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه , وأن أميرهم مالك بن عوف النضري , ومعه ثقيف بكمالها , وبنو جشم , وبنو سعد ابن بكر , وأوزاع من بني هلال - وهم قليل - وناس من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر ; وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم ; وجاءوا بقضهم وقضيضهم . فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في