فهرس الكتاب

الصفحة 724 من 2003

(وأنزل جنودا لم تروها) . . فلا نعلم ماهيتها وطبيعتها . . وما يعلم جنود ربك إلا هو . .

(وعذب الذين كفروا) . بالقتل والأسر والسلب والهزيمة:

(وذلك جزاء الكافرين) . . (ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء , والله غفور رحيم) . .

فباب المغفرة دائما مفتوح لمن يخطئ ثم يتوب .

إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله , والاعتماد على قوة غير قوته , لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية . حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة . إن الكثرة العددية ليست بشئ , إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة . وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة , لأن بعض الداخلين فيها , التائهين في غمارها , ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها , تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة ; فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف , فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في ثوثيق صلتهم بالله , انشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة .

لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة , لا بالزبد الذي يذهب جفاء , ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح !

وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ذكرت المؤمنين بجانب من نعم الله عليهم . ومن رحمته بهم ، وأرشدتهم إلى أن النصر لا يتأتى لمن أعجبوا بكثرتهم فانشغلوا بها عن الاعتماد عليه - سبحانه - وإنما النصر يتأتى لمن أخلصوا لله سرائرهم وعلانيتهم . وباشروا الأسباب إلى شرعها - سبحانه - للوصول إلى الفوز والظفر .

قال ابن القيم: افتتح الله - تعالى - غزوات العرب بغزوة بدر ، وختم غزوهم بغزوة حنين ، لهذا يقرن بين هاتين بالذكر ، فقال بدر وحنين وإن كان بينهما سبع سنين . . وبهاتين الغزوتين طفئت جمرة العرب لغزوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين . فالأولى خوفتهم وكسرت من حدتهم ، والثانية استفرغت قواهم ، واستنفدت سهامهم ، وأذلت جمعهم ، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت