فهرس الكتاب

الصفحة 731 من 2003

وهنالك اعتبار آخر تحسن مراعاته كذلك . إن وعد الله قائم لرسله وللذين آمنوا . ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها . وحقيقة الإيمان كثيرًا ما يتجوز الناس فيها . وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله . وإن هنالك لأشكالًا من الشرك خفية ; لا يخلص منها القلب إلا حين يتجه لله وحده , ويتوكل عليه وحده , ويطمئن إلى قضاء الله فيه , وقدره عليه , ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه فلا خيرة له إلا ما اختار الله . ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضى والقبول . وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي الله , ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير . فسيكل هذا كله لله . ويلتزم . ويتلقى كل ما يصيبه على أنه الخير . .

وذلك معنى من معاني النصر . .

النصر على الذات والشهوات . وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه بحال من الأحوال .

إنَّ من معتقد أهل السنة والجماعة في معاني أسماء الله وصفاته أن الله لا يَخذل من توجّه إليه بصدق وتوكل واعتمد عليه. فإنه لم يحصل في تاريخ البشرية منذ أن خلق الله هذه الأرض أن نبيًا من الأنبياء أو عالمًا أو داعيةً أو مجاهدًا أو مجتمعًا أو دولةً أو غيرهم توكلوا على الله وصدقوا الله واعتمدوا على الله وتركوا جميع الناس من أجل الله ثم خذلهم الله، هذا لا يعرف في التاريخ أبدًا، بل من فهمنا لمعاني أسماء الله وصفاته أن كل من توكل على الله واعتمد عليه وترك من سواه من الخلق، فإن الله لا يخذله، بل سينصره كما قال سبحانه: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47] .

فإن هذا من معاني أسمائه وصفاته. فالله عز وجل بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلا كتب النصر والغلبة لأهل الحق من أوليائه الصالحين والمصلحين، وكتب المهانة والذلة على أعدائه من الكافرين والمنافقين، وهذه سنة لا تتخلف إلاّ إذا تخلفت أسبابها فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43] .

لكن لهذا النصر صور عديدة، وليس النصر محصورًا في انتصار المعارك فحسب، بل قد يقتل النبيّ أو يطرد العالم أو يسجن الداعية أو يموت المجاهد أو تسقط الدولة، والمؤمنون منهم من يسام العذاب، ومنهم من يلقى في الأخدود، ومنهم من يَستشهد، ومنهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد، ومع ذلك يكون كل هؤلاء قد انتصروا بل وحققوا نصرًا مؤزرًا، وتحقق فيهم قول الله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ.

ومن قَصَرَ معنى النصر على صورة واحدة وهي الانتصار في المعارك فحسب، لم يدرك معنى النصر في الإسلام.

أول معاني النصر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت