ومع ذلك نقول: إن من سنن الله تعالى أن النصر قد يتأخر، ولو كان أهله مسلمون وأعداؤهم كفار وذلك لأسباب:
منها: أن البنية للأمة لم تنضج بعد ولم يتم بعد تمامها، ولم تُحشد بعد طاقاتها ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات، فلو نالت النصر حينئذٍ لفقدته وشيكًا لعدم قدرتها على حمايته طويلًا. لأن النصر السريع الهين اللين، سهل فقدانه وضياعه، لأنه رخيص الثمن لم تُبذل فيه تضحيات عزيزة.
ومن الأسباب أيضًا: أنه قد يتأخر النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتتأذى وتبذل ولا تجد لها سندًا إلا الله ولا ملجأً إلا إليه، وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على المنهج الصحيح بعد النصر عندما يتأذن به الله، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها الله به.
وقد يتأخر النصر أيضًا: لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنم تحققه أو تقاتل حمية لذاتها أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده، وفي سبيله بريئًا من المشاعر الأخرى التي تلابسه، فَعنْ أَبِى مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْقِتَالُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا ، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً . فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ - قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا - فَقَالَ « مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » [1]
وقد يتأخر النصر أيضًا: لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا، فلو غلبه المؤمنون حينئذٍ فقد يجد الباطل له أنصارًا من المخدوعين فيه لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يبقى الباطل مدة من الزمن حتى يتكشف عاريًا للناس، وإذا ما ذهب فإنه يذهب غير مأسوف عليه.
وقد يتأخر النصر أيضًا: لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة. فلو انتصر حينئذٍ للقيت معارضة من البيئة حولها لا يستقر معها قرار، فيظل الصراع قائمًا حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ولاستبقائه.
أيها المسلمون، من أجل هذا كله ومن أجل غيره مما يعلمه الله ولا نعلمه نحن قد يتأخر نصر الله، فتتضاعف التضحيات وتتضاعف الآلام وتتضاعف معها الأجور، وفي كل ذلك خير مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأرْضِ أَقَامُواْ الصلاةَ وَاتَوُاْ الزكاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الاْمُورِ وَإِن
(1) - صحيح البخارى ( 123 ، 2810 ، 3126 ، 7458 )